اللاتي يحملن في سنة ذبح الذكور من المواليد، ويعدون الشهور، ويتفقدون الحوامل حتى وقت وضعهن، ثم يأتون عند الولادة ومعهم السيف لذبح المواليد من الذكور.
ففي ذاك الواقع كانت تعيش أم موسى الخوف على نفسها وعلى ابنها، وكان الوحي إلهام الله لها لسبيل النجاة من شر أعدائها وأعداء ابنها، فكان إلهام الله لأم موسى أن {أَرْضِعِيهِ} لحاجته للبن أمه بعد الولادة، لما في لبن الأم للمولود بعد الولادة من فوائد كثيرة يحتاجها المولود، ولكي لا يشغلها خوفها على ابنها من القتل عن رضاعته وإشباع عاطفة الأمومة من الوليد، يأتي بعد ذلك الإجراء الأمني وما فيه من فصل العاطفة النفسية عن العمل الأمني ولو كان فيه مشقة على النفس، فالله يأمرها أن تلقي بابنها في اليم بعدما تضعه في تابوت، واليم هلكة محققه لطفل رضيع، والتابوت سبب من أسباب النجاة، ولتطمئن الأم إذا بذلت الأسباب، ويصبح عندها الظن النفسي بفعل أسباب النجاة، ويصبح عندها حسن الظن بالله والتوكل عليه يقينًا بالنجاة؛ لأن الله بشرها أنه سيرجعه ويجعل له شأنًا، وقد بيَّن لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الأمر بيانًا مبينًا في قوله لرجلٍ سأله عن دابته إذا أراد أن يتركها لقضاء أمر من أموره؛ هل يتركها ويذهب، أم يعقلها ويتوكل على الله ويذهب، فقال صلى الله عليه وسلم:"اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ" [صحيح ابن حبان] .
فهذا يبيِّن للأخت الداعية إلى الله كيف تغلب الجانب الأمني في دعوتها على العاطفة لدعوة المسلمين في هذا الواقع، وأخذ الأسباب ولو كانت بسيطة، أو فيها مشقة، أو تأخير لبعض الوقت على العمل، وتتحرز في وضع الأغراض التي تُتخذ لمجالات الدعوة في أماكن آمنة كالذواكر المحمولة والهاردات والسيديهات وغيرها، سواء في داخل المنزل أو خارجه بحيث لا تجعل للظالمين عليها سبيلًا.
ثم بيَّن لنا ربنا سبحانه وتعالى حال أم موسى بعد فراقها لابنها الرضيع وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ