ودين الله وسط بين الإفراط والتفريط والغلو والإرجاء، وإن من البلايا والرزايا: ما بُلي بي المسلمون من تقحُّم أحداث أغرارٍ، جُهّال أغمار، لم يأخذوا من العلم شبرًا في هذا الأمر العظيم، بينما رأينا ونرى أن أهل العلم الذين رسخت أقدامهم فيه هم أشد تورعًا في هذا الشأن، وذلك لعظيم أثره وجليل خطره على الأفراد والجماعات في الدنيا والآخرة.
ووالله إن مما يندى له الجبين؛ أن نرى بعض المجاهدين يتورع ويسأل ويستفتي في مسائل من أدق مسائل الفروع، كالمسح على الخفين، ثم إذا جاءت مسألة التكفير؛ تصدّر لها، وبادر إليها دون علم وعدل، بل يعقد الولاء والبراء على الأشخاص وفق ما رآه واقتنع به، فمن لم يكفّر فلانًا فهو مرجئ، ومن كفّره فهو على المنهج، وجعل المنهج الحق هو ما اعتقده وذهب إليه، وليس ذلك من دين الله في شيء، بل ما زال العلماء رحمهم الله يختلفون في تكفير كثيرٍ من أهل الضلال، كما سبق في خلاف السلف حول تكفير الحجاج، وكما جاء عن الإمام الشافعي أنه كفّر حفص الفرد، مع أن أهل زمانه لم يتفقوا على ذلك.
فخلاف السلف في تكفير بعض الأعيان أشهر من أن يُذكر، ومع هذا فلم يكفّر بعضهم بعضًا لذلك؛ لأنهم يعرفون نسبية المعطيات، وكم نقل شيخ الإسلام الخلاف عند السلف في تكفير بعض أهل البدع، فبعضهم كفّره، والآخرون لم يفعلوا، ومع هذا فلم يحكم بعضهم على بعض بشيء في ذلك.
واختلافهم في الجيلاني وغيره تبديعًا وتفسيقًا، ومع ذلك لم يتخاصموا ولم يتفرقوا ولم يجرح بعضهم بعضا لذلك، ومن ذلك ما ذكره القاضي عياض في: (الشفاء) بعضًا من اختلاف المفتين والقضاة في تكفير المُعيّنين، في بعض وقائع الأعيان التي في زمانه.
فلا يُحتج بعالم أو علماء ما داموا مختلفين؛ لأن وجهة النظر والتنزيل والمعطيات تختلف فيختلف على ضوئها الحكم على الأعيان.
وللأسف فقد انزلق كثير من المجاهدين في مسألة استعانة المسلم المجاهد في سبيل الله بالكافر، ولها صورٌ لا يستطيع طالب الحق إدراك كنه هذا الباب إلا بالإحاطة بها، وهي كما يلي:
الصورة الأولى: الاستعانة بالكافر على قتال الكافر، سواء كان ذلك استعانة بماله، أو الاستعانة برجاله، إلا أن الاستعانة بالمال أهون من الاستعانة بالرجال، ولكي تتضح هذه الصورة من صور الاستعانة؛ نضرب لها مثالًا واقعًا في الشام، فهي كأن يأتي فصيل من الفصائل المقاتلة في الشام، ويأخذ شحنة من الأسلحة من جهة داعمة- وهذه الجهة كافرة-، فيؤخذ الدعم منهم لقتال بشار من دون أن يكون ممثلًا أو: معترفًا بتلك الجهة الداعمة، فهذه المسألة بهذه الصورة هي من مسائل الاستعانة.