وهو الاسم الذي غلب على غيره من أسمائهم واشتهروا به، ومع هذا فإن النصيريين لا يحبون أن يسموا به ويتضايقون منه.
ومن أسباب كراهيتهم له حسب تعليلاتهم؛ أنه أطلق عليهم بسبب العصبية المذهبية، وبدافع من العداوة والمذهبية، حيث أطلقت هذه التسمية عليهم ذريعة لاضطهادهم - كما يزعمون -
زعموا أن الأتراك حينما كانوا مسيطرين على بلادهم أطلقوا عليهم اسم النصيرية نسبة إلى الجبال التي يسكنونها نكاية بهم واحتقارًا لهم، حتى جاءت فرنسا واستعمرت بلادهم فأطلقوا عليهم التسمية التي يحبونها والتي سنذكرها فيما بعد، ولهذا نجد أن النصيرية تدين لفرنسا بالولاء والتقدير، حيث أصدر الفرنسيون قرارًا يقضي بتسمية جبل النصيريين بأراضي العلويين المستقلة تعميقًا لانفصالهم.
ويوجد تعليل آخر لسبب تسميتهم بالنصيريين؛ وهو لمستشرق يسمى"ريسو"، فقد جعل تسميتهم النصيريين بهذا الاسم لوجود صلة بينه وبين تسمية نصارى أو نصراني، ولعل الذي حمله على هذا القول هو ما رآه من المشابهة بين النصيريين والنصارى في كثير من التقاليد والطقوس الدينية، ومشاركة النصيريين للنصارى في كثير من أعيادهم، وتقديس كل منهم للخمر والوقوف إلى جانب بعضهم البعض في الأوقات الحرجة.
وما هو حاصل الآن في لبنان أقوى شاهد على هذا إلا أن هذا القول - وإن صدق في وجود التشابه -
إلا أن الأقرب إلى الصواب؛ أن هذه التسمية إنما أخذت من اسم مؤسس طائفتهم أبي شعيب محمد بن نصير البصري النميري [20] .
ولقد ذكر عبد الحسين تعليلًا آخر - إضافة إلى ما تقدم - وهو أن تسميتهم بالنصيرية قد علق بها تاريخيًا ذم وتشنيع وتكفير، ولهذا فهم يريدون أن يسدل عليها الستار [21] .
وما ذكره ريسو في سبب تسميتهم بالنصيرية يؤيده ما ذكره أيضًا عنهم الدكتور حسن إبراهيم حسن بقوله:(وثمة تفسير آخر لا يزال مألوفًا عند السنيين الذين يجاورونهم، وهو أن لاسمهم صلة بلفظ نصراني أو نصارى، ومما يزكي هذا التفسير أن النصيرية لا يزالون يمارسون بعض طقوس النصارى، كالاحتفال ببعض الأعياد النصرانية مثل عيد الميلاد وعيد الفصح، ويعتبرونها من الأعياد الكبرى، كما أن بعضهم يحمل أسماء نصرانية مثل متى ويوحنا وهيلانة.
وبالإضافة إلى المبادئ التي اقتبسها النصيرية من النصرانية فإن ديانتهم تحتفظ بقسط وافر من الأسرار، وما تزال تحتفظ بمعالم واضحة تنبئ عن معتقداتهم التي هي مزيج من عناصر غير متجانسة تمامًا تقوم على أساس نظام ديني يتصل بعبادة النجوم والكواكب.
وقد اقتبست هذه التعاليم في القرون الأولى للعصر المسيحي بعض المبادئ الروحية عند المسيحيين، ويقوم نظام النصيرية على التجسد، ويدور حول هذه الأسماء الثلاثة التي تكون التثليث الشبيه بتثليث النصارى، ويتمتع هؤلاء بالوحدانية والخلود.
وهذه الأسماء الثلاثة التي يرمزون إليها في قائمة مذهبهم هو التي تكون تثليثًا شبيهًا بالتثليث الكائن في النصرانية، ويرمز إلى هذا التثليث عند النصيرية بحروف"ع. م. س"ويقولون: إن الله حلَّ في ثلاثة هم علي ويرمزون إليه بالمعنى، ومحمد ويرمزون إليه بالاسم، وسلمان الفارسي ويرمزون إليه بالباب) [22] .
ومن الجدير بالذكر؛ أن النصيريين وهم يكرهون إطلاق هذه التسمية عليهم، إلا أنك تجد أن بعض علمائهم المتأخرين حينما رأى أن الناس لم يتركوا إطلاق هذه التسمية عليهم أحب فيما يبدو أن يجعل أصلًا مقبولًا لإطلاق تسمية النصيريين عليهم.
ومن ذلك ما ذكره النصيري محمد أمين غالب الطويل في تعليله لسبب إطلاق كلمة النصيرية عليهم؛ فهو يرى أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه حينما كان يقاتل في الشام طلب المدد، فأتاه من العراق خالد بن الوليد، ومن مصر عمرو بن العاص، وأتاه من المدينة جماعة من العلويين، وهم ممن حضروا بيعة غدير خم، وهم من الأنصار وعددهم يزيد عن 450 مجاهدًا.
ولما وصلت هذه النجدة والتحقت بالجيش نجح نجاحًا جزئيًا، فسميت هذه القوة"نصيرة"ثم سلمت لهم - بحكم قواعد الجهاد في تمليك الأراضي التي يفتحها الجيش إلى ذلك الجيش نفسه - فسلمت لهم الأراضي التي امتلكوها وهو جبل النصيرة - وهو عبارة عن جهات جبل الحلو وبعض قضاء العمرانية المعروفة الآن - ثم أصبح هذا الاسم علمًا خاصًا لكل جبل العلويين من جبال لبنان إلى الأنطاكية [23] .
وهذا التعليل غير سديد لأمور، من أهمها أن إطلاق هذه التسمية لم تعرف في عصر عمر رضي الله عنه، ثم ما كان المسلمون لينظروا إلى هذه الطائفة التي جاءت من المدينة وينسبوا النصر إليهم، ثم كيف تناسوا جهود بقية الجيش، ثم وكيف تطيب نفوس الصحابة بترك الجهاد وتسلق جبال النصيرية يمتلكونها.
أضف إلى هذا أنه ما كان في عهد الخلفاء الراشدين من يسمون بالعلويين كحزب، وإنما نشأ الخوارج والشيعة في عهد علي رضي الله عنه وبدأ التحزب في أواخر عهد علي رضي الله عنه ونشأت النصيرية في القرن الثالث.
وما زعمه بأنهم كلهم حضروا غدير خم، يقال له؛ إن الصحابة ما كانوا ينظرون إلى من حضر غدير خم إلا كما ينظرون إلى سائر المسلمين فلم تعرف لهم مزية في زمن الخلفاء جميعهم ابتداءً بأبي بكر وانتهاءً بعلي رضي الله عنهم.
ويقال لهم أيضًا؛ إنكم تكذبون بهذا القول بقية أسلافكم الشيعة الذين يحكمون على كل من حضر غدير خم بالردة، إلا عددًا قليلًا استثنوهم، حيث نشأ كفر أولئك من تركهم بيعة علي بالخلافة بعد ترشيح النبي صلى الله عليه وسلم له، حسب معتقدهم.
[20] طائفة النصيرية ص23 - 24.
[21] العلويون ص8.
[22] تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي 4/ 265 - 267، انظر: العلويون ص55 - 54.
[23] طائفة النصيرية ص35.