وهذا الكلام لم يرتضه جمع من الحفَّاظ ومنهم الإمام الذهبي حتى قال: «سبحان الله أين تبليغ العلم والجلوس لتبليغه أليس هذا عمل يفوق عمل العاملين المتعبدين» .
صدق أبو عبدالله الذهبي فروايات الإمام مالك وأسانيده ومسلسلاته الذهبية بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها نافع عن ابن عمرو فيها محمد بن إدريس الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر وفيها أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر وقد درَّس الإمام مالك في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أليس هذا عمل عظيم؟! بلى تعليم العلم بالكتاب والسُّنة وتبليغه أعظم من عمل العاملين المتعبدين.
فلو أن إنسانًا يتعلم العلم ويعمل به ويبلغه والآخر يتعبَّد لكان الذي يتعلم العلم ويعمل به ويبلغه أعظم الأجر.
وقد كان أحد والسلف يقول: «لو أني أعلم بأن السيف يجري على هذه - وأشار إلى حلقه - وأستطيع أن أبلغ حديثًا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يمضي السيف وأستطيع لفعلت» .
إذا بلغت حديثًا أو آيةً للناس سمع منك واحد وهذا الواحد يرويها لعشرة وهؤلاء العشرة يبلغونها لمئة والمئة يبلغونها إلى ألف والألف يبلغونها إلى مليون أو إلى مجتمع إلى بلد إلى كتاب يصنَّف ويبقى هذا الكتاب سنين تقرؤه الأجيال فكم في هذا من الأجر.
وبهذا روينا بإسناد متصل من طريق الحافظ الصابوني بإسناده عن جده إلى الزهري قال: «تعليم سُنة أفضل من عبادة مائتي سنة» فهذا أثر عظيم من هذا الثقة الثبت الزهري رحمه الله تعالى.
وهذه كتب الحفَّاظ وأهل العلم بين أيدينا وهذا كتاب صحيح البخاري له أكثر من ألف ومائتي سنة وما زال يروى بين أظهرنا وقبله وبعده من الحفّاظ وأهل العلم فكم حديث نسمعه ونقرؤه وله أجره فمن دل على هدى فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجورهم شيء.
جاء في مسند أحمد بإسناد فيه لين قوله - صلى الله عليه وسلم: «الدال على الخير كفاعله» ودلائل الصحة تشهد له من الكتاب والسُّنة.
وجاء في صحيح مسلم قوله - صلى الله عليه وسلم: «من دل على هدى فهل مثل أجره من غير أن ينقص من أجورهم شيئ» .
وكما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أحمد من طريق مسدد بن مسرهد عن يحيى القطَّان عن عبدالملك بن سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي أيوب وهذا إسناد متصل ووهم من قال أن عطاء لم يسمع من أبي أيوب وقد صرح جمعٌ من الحفَّاظ أن عطاءً سمع من أبي أيوب والحديث متنه: «من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئ» .
فانظر إلى هذا الحديث فهل أجور الصائمين مثل بعض لأن بعضهم منذ أن صام إلى أن أفطر وهو في ذكر فسبَّح مثلًا ألفي مرة وقرأ نصف القرآن أو ربع القرآن أو ثلث القرآن وهناك من يختم القرآن كل يوم.
صح بإسناد متصلٍ صحيح عند ابن أبي حاتم في ترجمة الشافعي قال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع وقال: «كان الشافعي يختم في رمضان وهو في الصلاة ستين ختمة» .
إذًا هذا الصائم هل يكون مثل الذي منذ أن صام إلى أن أفطر وهو في غيبة