الصفحة 4 من 5

يشتمل على نص جواب العلامة عبدالله بن الغنيمان رئيس الدراسات العليا في الجامعة الاسلامية بالمدينة سابقا، والعلامة عبدالله بن جبرين من كبار العلماء على سؤال في موضوع منزلة العمل من الإيمان.

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى سماحة العلامة الشيخ المحقق عبدالله بن الغنيمان حفظه الله وأبقاه ذخرا، وأسبع عليه وافر الانعام، من ابنكم حامد عبدالله العلي من الكويت، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فنحمد إليكم الله الذي لاإله إلا هو على سوابغ نعمه، ومزيد إحسانه وكرمه، ونسأله سبحانه أن يديم عليكم ما آتاكم من نعمة العلم والحكمة، ويمن علينا وعليكم بالثبات في الامر، والعزيمة على الرشد، ويوزعنا شكر نعمته، وحسن عبادته.

موجب الخطاب بعد إبلاغ السلام وحصول التشريف بالسؤال عن حالكم والاطمئنان على جنابكم، طلب جواب أهل العلم، ومن له اليد الطولى في تحقيق العقيدة السنية، والطريقة السلفية المرضية، عن اعتقاد قوم ينسبونه إلى مذهب أهل السنة والجماعة، زاعمين:

أن من يصدق بقلبه ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وينطق بلسانه بالشهادتين ولو مرة واحدة لايزيد عليها، فهو مسلم ناج من الخلود في النار، وإن تولى عن الانقياد للشهادتين بعمل الجوارح توليا كليا، فلا يفعل واجبا من الواجبات قط، ولاينتهي عن شيء من المحرمات إلا ما أشرب من هواه، أولم يقدر عليه، مع تمكنه من الفعل وعلمه بما أوجبه الله تعالى، ولو عمر مايتذكر فيه من تذكر!

فلما قيل لهم: إن مثل هذا يمتنع أن يكون مؤمنا لأن ترك الانقياد بعمل الجوارح على هذه الصورة، لايكون إلا مع زوال عمل القلب الذي لايصح الايمان بدونه، قالوا: يكفيه من عمل القلب ما حمله على النطق بالشهادتين ولو مرة واحدة في دهره، وبهذا العمل القلبي فحسب، وبالتصديق والنطق بالشهادتين ولو مرة واحدة، يصح إيمانه ويكون مسلما، ولو قال لا أفعل شيئا من فرائض الاسلام، ولا أستحل تركها، ولا أنتهي عن شيء من المحرمات، ولا أستحل فعلها، أنه بذلك لايكون ناقضا لإيمانه، بل هو مسلم ناقص بالايمان من أهل الكبائر.

فلما قيل لهم: إن هذا هو اعتقاد المرجئة، ولايستقيم على طريقة أهل السنة الذين يجعلون الايمان قولا وعملا، وأن من يتولى عن عمل الجوارح كله مع العلم والقدرة لايكون مؤمنا بل هو كافر وإن نطق بالشهادتين، وأما أهل الكبائر فهم أهل انقياد في الجملة بالاعمال الظاهرة مع التقصير، لكنهم اقترفوا كبائر الذنوب ولم يتوبوا منها.

قالوا: بل ما نقوله هو اعتقاد أهل السنة، وقال بعضهم هو اعتقاد طائفة من أهل السنة، ونحن على هذا الاعتقاد.

والمطلوب: تحرير المسألة، وبيان منهج أهل السنة في الباب، فإن ضاق وقتكم عن التحرير المفصل، فعلى قدر ما يسعكم من الوقت، وإن عجلتم الجواب فهو غاية المطلوب، فإن الحاجة ماسة، أبقاكم الله ذخرا، وأيدكم بالتوفق.

وهذا نص جواب العلامة ابن غنيمان حفظه الله:

من عبدالله بن محمد الغنيمان إلى الاخ المكرم حامد بن عبدالله العلي، أعلى الله قدره بطاعته، وأتم عليه نعمته، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كتابكم الكريم وصلنا، وسؤالكم عن أحوالنا، فجزاك الله خيرا، ونخبركم بأننا على ما يسرك والحمد لله رب العالمين.

أما السؤال: فلايخفى عليك أن قول القائل: من صدق بقلبه ونطق بالشهادتين ولو مرة واحدة لايزيد عليها، فهو مسلم ناج من الخلود في النار، وأن تولى عن الانقياد ... إلى آخره، أنه قول باطل مصادم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو قول المرجئة الضلال، فإن من الضروريات دينا أن الرسول بعث بالايمان والعمل، وأن من تولى عن العمل فإنه يعتبر غير متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجزاء، وتؤمن بالقدر خيره وشره، ومتى حصل للعبد هذا الإيمان، وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام، الذي هو الاستسلام لله بالطاعة من الشهادتين والصلاة وأداء الزكاة وصوم رمضان والحج لأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله والانقياد له مع الحب والخضوع فمن الممتنع أن يكون العبد قد حصل له الإيمان في القلب والحب والانقياد في الباطن ولا يحصل له ذلك في الظاهر كالجوارح مع القدرة عليه كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة ولا يحصل له المراد ففرض أن هناك إيمانًا مع تخلف العمل فرض ممتنع وبهذا يتبين أن من آمن بقلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن لا ينطق بالشهادتين ولا يعمل ما أوجب عليه الشرع مع قدرته على ذلك، فعدم العمل مستلزم لانتفاء الإيمان القلبي، وبهذا يتبين خطأ المرجئة الجهمية ونحوهم في زعمهم بأن مجرد الإيمان القلبي ينفع بدون أعمال الجوارح، فإن هذا ممتنع حصوله، فلا يمكن أن يوجد إيمان القلب الجازم إلا ويوجد معه العمل الظاهر، ولهذا علق الرسول صلى الله عليه وسلم ترك قتال الناس بإتيانهم العمل، كما قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

كما قرن التولي مع التكذيب فإن التولي هو ترك العمل، وضد ذلك قرن العمل الصالح مع الايمان لانه يستلزمه، قال شيخ الاسلام (اسم الايمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله يتناول فعل الواجبات، وترك المحرمات) [7/ 42 من الفتاوى] .

وقال: كفر أحمد ووكيع وغيرهما، من قال بقول جهم في الايمان، وهو أن الايمان معرفة القلب وتصديقه، وقال (اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر وأما الصلاة والزكاة والصوم والحج فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا أهل السنة متفقون على أنه لايكفر بالذنب، فالمقصود المعاصي كالزنا وشرب الخمر، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور) [نفس المصدر ص 302] .

وقال: (فالايمان في القلب لايكون إيمانا بمجرد تصديق ليس له عمل قلب، وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك) [نفس المصدر 529] .

يعني أنه لابد من العمل مع الايمان، وقد دل على هذا القرآن في مواضع كثيرة جدا، كقوله جل وعلا (والعصر * إن الانسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات * وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) .

فأقسم بأن جنس الانسان في خسران مستمر، إلا من آمن وعمل صالحا، وحصل منه التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وقال جل وعلا (لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنون) فبين أن من لم يؤمن بالله ويعمل صالحا فهو في أسفل سافلين وأسفل سافلين هو جهنم.

والادلة على ذلك من كتاب الله جل وعلا كثيرة جدا، كقوله جل وعلا (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لايستكبرون) ، فنفى الايمان عن غير هؤلاء فمن كان إذا ذكر القرآن، لايفعل مافرض الله عليه من السجود لم يكن من المؤمنين.

واسم الايمان يطلق تارة على مافي القلب من الاقوال القلبية والاعمال القلبية من التصديق والمحبة والتعظيم ونحو ذلك، وتكون الاقوال الظاهرة والاعمال لوازمه ومقتضاه ودلائله، وتارة يطلق على مافي البدن جعلا لموجب الايمان ومقتضاه داخلا في مسماه، وبهذا يتبين أن الاعمال الظاهرة تسمى اسلاما، وأنها تدخل في مسمى الايمان، كما ذكر في الفتاوى [7/ 551] .

وبهذا يتبين أنه إذا وجد في القلب إيمان، امتنع أن لايتكلم بالشهادتين او لايعمل مع القدرة على ذلك، فعدم العمل دليل على عدم الايمان وانتفائه، ويمتنع أن يحب الانسان غيره حبا جازما، ثم لايحصل منه حركة ظاهره لوصله، فمن الخطأ أن يظن أن الايمان إذا وجد في القلب يتخلف عنه العمل.

قال شيخ الاسلام رحمه الله: (منشأ الغلط في هذا الموضع من وجوه، أحدهما: ظنهم أن العمل والتصديق مستلزم لجميع درجات الايمان، والثاني: ظنهم أن مافي القلوب لايتفاضل الناس فيه، والثالث: ظنهم أن مافي القلب من الايمان المقبول، يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه، والرابع: ظنهم أن ليس في القلب إلا التصديق وأن ليس الظاهر إلا عمل الجوارح، والصواب أن القلب له عمل مع التصديق، والظاهر قول ظاهر وعمل ظاهر، وكلامهما مستلزم للباطن) [الفتاوى 7/ 554] .

ونرجو أن ييسر الله تعالى الكتابة في الموضوع بتوسع وبيان مقنع والله الموفق.

[انتهى الجواب]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت