وأما المحدثون فأضل سبيلا، لأنهم لايكفرونه لا ظاهرا ولاباطنا، الا أن يصرح بأنه جاحد مكذب مستحل لما فعل أو مستخف معاند مستكبر عن اتباع الرسل، ولو طاف وسجد ودعا وذبح للصليب أو الاضرحة، وأقام المؤسسات تحميها وتزينها للناس، وتشرف عليها وتنفق على سدنتها وكهانها وتنظمها ولوعاقب من يمسها بسوء، ولواستهزء بدين الاسلام وسب شعائره، ولو قاتل المسلمين، وأعان الكفار في حربهم للمجاهدين بما يقدر عليه من نفس ومال، ولو كانوا يقاتلون دفاعا عن المسجد الاقصى، لايكفر من فعل ذلك كله - عند مرجئة العصر - الا أن يستحل ذلك، ويجحد ويكذب ويقول ذلك بلسانه أو يصرح أنه مستخف معاند مستكبر عن اتباع الرسول، ويقول هؤلاء قبح الله مذهبهم وقد سمعناهم: ألا تراه مسلما يحضر خطبة المولد، ويبني المساجد، ويقول بسم الله الرحمن الرحيم في خطابه وينطق بالشهادتين، ويقول اني مسلم، فكيف تكفرونه من غير أن يصرح بأنه مستحل أو مستكبر، ورأيناهم يجعلون من يكفر مثل هؤلاء الزنادقة من الخوارج المارقة ويستحلون تأليب الطواغيت عليه وكتابة التقارير عنه.
فقلت: هل أنت الان من جماعة التكفير؟ ومن الخوراج؟ لما تبين لك حقيقة الايمان الذي عليه أهل السنة.
قال: بعد ضحكة طويلة ... والله يا أخي لا تلومني على ما قلته أول الحديث وما كنت عليه سابقا من الجهل، فانني لم أكن أسمع الا الاتهامات والدعاوى المرسلة والطعن فيكم ونسبتكم الى جماعة التكفير، بلا تحقيق ولاعلم، ولا وجدت من يدلني على العلم كما سمعت اليوم من هذه النصوص عن العلماء الا اليوم، فلك مني جزيل الشكر.
وقال: لكن بقي عندي أمران:
الاول: وهو أنه لا يخفى عليك، أن فتنة التكفير قد عاثت في الارض فسادا ردحا من الزمن، وأنها أشغلت الساحة الاسلامية بتكفير طائش متخبط، وأخذت تلك الجماعات بلوازم ما أنزل الله بها من سلطان، حتى فر الناس منها الى هذا غلو في الارجاء، فكيف السبيل الى اتقاء فتنة التكفير، بعد أن تبين لنا كيف نتقي فتنة الارجاء، وهل يجوز الجرأة على تكفير أهل الشهادتين والتتايع فيها بهذا الطيش؟
قلت: جماعة التكفير انطلقت من نصوص صحيحة، لكنها فهمتها فهما خاطئا، والتزمت لاجلها لوازم باطلة، فوقعت فيما وقعت فيه من تكفير الحكام مطلقا بلا تفصيل ولاتحقيق ولاعلم، وكذا تكفير الشعوب والمجتمعات، فألحقت بالدعوة الاسلامية ضررا بالغا، والعصمة منها باختصار:
أولا: أن لايقدم على أحكام التكفير الا أهل العلم الذين أحاطوا بقواعد الاصول وعرفوا العقائد المنقولة عن أهل السنة.
ثانيا: أن نعلم أنه لايجوز تكفير أهل الشهادتين الا بعلم بما أتوا به من النواقض الاعتقادية أو العملية، ثم اقامة الحجة عليهم وبيان المحجة بحسب ضوابط ذلك.
ثالثا: أن نعلم أننا لسنا مكلفين أن ننقب عن بواطن الناس أو نفتش عن عقائدهم، لنحكم عليهم بالاسلام او الكفر من غير نازلة تحتاج الى حكم معين، ولا أن نجعل التكفير هدفا في حد ذاته، بل من أظهر الاسلام وأكل ذبيحتنا وصلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فهو المسلم له مالنا وعليه ما علينا ولا يجوز امتحان المسلمين سواء - الحكام والمحكومون - لمعرفة دخائلهم، ويكفي المؤمن - ما لم تنزل به نازلة تقتضي معرفة تفصيلية - يكفيه أن يكفر بالطاغوت جملة وهو كل ما يعبد من دون الله تعالى، ولاعليه أن يعرف حكم هذا وذاك - سواء كان حاكما أو محكوما - تطفلا ودخولا فيما لايعنيه ولم يكلف به، بل هذا من الهوس وحماقة العقول الفارغة.
هذا باختصار سبيل الخلاص، فهات الامر الثاني.
قال: أن هؤلاء الذين وقعوا في الارجاء وهم لايشعرون، انما فروا من هذه الفتنة، فتنة التفكير، ويقولون لئن نخطيء في العفو أحب ألينا من أن نخطيء في العقوبة، أي نخطئ في الحكم على رجل بأنه مسلم ويكون كافرا في واقع الامر، خير من أن نخطئ في تكفيره ويكون مسلما فان تكفير المسلم من كبائر الذنوب والموبقات.
قلت: نعم هو كذلك ونحن معهم، اذا اشتبه الامرعلى من يحتاج الى الحكم - وقد قدمنا أنه لايجب على المسلم ما لم تنزل به نازلة تقتضي معرفة حكم الشخص مسلم هو أم كافر - اذا اشتبه عليه الامر فلا يجوز أن يقدم على تكفيرأحد من أهل الشهادتين فانهما أصل الاسلام، ولايزول بالشك.
غير أن المستنكر أن نعتقد عقائد المرجئة وننسبها الى الدين ونغير أحكام الشريعة ونقدم عليها آراء باطلة لفرق ضالة، كما أنه من المستنكر أن ينقض الانسان دينه بنواقض مجمع عليها ويكفر بمقتضى أصول أهل السنة ثم لايحكم عليه بالكفر، ومن المستنكر أن ينسب من يكفر من هذا شأنه الى مذهب الخوارج بالباطل والافتراء.
ولا يخفى أنه كما أن التكفير بلا دليل جرم عظيم، كذلك زوال الحدود الشرعية بين الكفر والايمان، وجعل الكافر مؤمنا، من أعظم الفساد في الدين، والنقض لعرى الايمان.
قال: قد شفيت وكفيت وهديت، واني لك شاكر، وعلى مذهب أهل السنة بعون الله صابر.