وإن قلت اليقين أطلت همسي ... بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي نزل القرآن، وفرض الإيمان، وبين أنه تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان، أشهد أن لااله إلا هو، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، فرق بين أهل الإسلام وطاعة الرحمن، وأهل التولي والكفران.
وبعد:
فقد كنت اطلعت على كتاب بعنوان (أحكام التقرير بأحكام التكفير) ، فراعني ما فيه، وأفزعني ما يحتويه، فانه قرر مذهب المرجئة في الإيمان، واستشهد لذلك بكلام أئمتهم، ظانا أنه مطابق للاعتقاد الصحيح المنقول عن أهل السنة، ثم رأيت رسالة صغيرة في نقض هذا الكتاب، بعنوان (براءة أهل السنة) وفق فيها الكاتب وقد سمى نفسه (أبو عبد الرحمن السبيعي) أيما توفيق، وأجاد غاية الإجادة في رد ما في كتاب (أحكام التقرير) من الباطل وفرق بينه وبين الحق أحسن تفريق.
فاللهم اجزه عن الإسلام والمسلمين وأهل السنة المتبعين خير الجزاء ... آمين.
ثم اطلعت على كتاب آخر بعنوان (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) لمؤلفه خالد العنبري، فوجدته علا درجة عن سابقه (وهو كتاب أحكام التقرير) ، غير أنه أخطأ الصواب في مواضع ومال عن جانبه، منها أنه قرر أن كفر العمل لا يخرج أبدا عن الملة الإسلامية، إلا إذا دل على الجحود والتكذيب أو الاستخفاف والاستهانة والعناد وعدم الانقياد.
فهو وان نجا من قول من يرى الكفر العملي لا يكون منه أبدا كفر أكبر حتى يقارنه الجحود والتكذيب، كما في الكتاب الأول، وهو مذهب المرجئة بعينه.
لكنه اشترط شروطا أربعة ليكون الكفر العملي كفرا أكبر، وعطف بعضها على بعض عطف النسق، وهي الاستخفاف والاستهانة والعناد وعدم الانقياد، فكأنه يقول لا يكفر من أتى بناقض عملي إلا إذا قام بقلبه أربعة مجتمعه هي المذكورة، ونسب هذا إلى أهل السنة، وإذا قلنا قصد التأكيد بعطف مترادفات، صار مذهبه بالاختصار أنه يرى أن الكفر العملي لا يكون أبدا كفرا أكبر، حتى يقارنه أمران لابد من اجتماعهما في القلب (الاستخفاف والعناد) والعناد هو الاستكبار، فاقتضى هذا أن من يسجد للأصنام طمعا في المال ويطوف بالناس حول الأضرحة ويذبح لها ويسجد لها، راغبا في عرض الدنيا، غير مستخف (من الاستخفاف) ولا مستكبر، أنه لا يكفر على مذهبه وبمقتضى شروطه.
وأن من سب دين الإسلام واستهزأ بشعائره لعوض يطلبه من متاع الدنيا، غير مستخف، ولا مستكبر لا يكون كافرا أيضا على هذا الرأي، وقد صرح الكاتب بهذا فأخرج من يفعل الكفر العملي الأكبر الناقض للإيمان - لا عن استكبار لكن برغبة - عن أن يكون كافرا، وهو خلاف اعتقاد أهل السنة.
وقد غلط أيضا من جهة أنه يحكي هذه الشروط وكأنها مذهب أهل السنة الذي استقر إجماعهم عليه، أفلا ذكر من كفر منهم تارك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها كإسحاق بن راهويه وغيره، وأنهم لم يشترطوا أن يكون ذلك عن استخفاف واستكبار.
وأيضا، فياللعجب .. أولم يعلم أن الذين يعبدون الاضرحة والقبور في قلوبهم من تعظيم الدين والرسول صلى الله عليه وسلم ما يتنافى مع العناد والاستخفاف، غير أنهم مشركون كفار لغلوهم في الصالحين حتى عبدوهم مع الله كما قال تعالى (ومايؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) ، فأين الاستخفاف والعناد هنا؟!
فمن أين - ليت شعري - يطلق قيودا ويشترط شروطا ما أنزل الله بها من سلطان، فان كان لابد فاعلا فهلا ذكر الخلاف، ولم يجزم أنه اعتقاد أهل السنة مجتمعين، وان كانوا - في التحقيق - لما قاله مفارقين.
فان قيل فلعله يرى أنه لا يسب الرسول صلى الله عليه وسلم راغب في المال، أو يسجد للأصنام طامع في عرض الدنيا ونحو ذلك إلا من هو من أهل الاستخفاف، وان كان قد يجمع مع ذلك إيثار متاع دنيا أو شهوة من الشهوات، فاكتفى بذكر هذا الوصف (الاستخفاف) ليكون من دلالة التلازم فيحتوى ما أشرت إليه.
فالجواب أنه لم يكتف بهذا الشرط حتى ضم إليه الاستكبار، فمن هنا أدخل على اعتقاد أهل السنة - حاكيا عنهم مذهبهم - أمورا جعلها في سياق الشروط، بلا دليل ولا برهان.
وأيضا فلنا أن نسأل كيف يعرف مافي قلب الساجد للصنم الساب للرسول المستهزئ بالدين وأمثالهم، هل هو معاند ومستخف أو لم يقم بقلبه شيء من ذلك، فعلى رأي الكاتب لا نحكم بكفر أحد حتى يعلن لنا بلسانه ويبين ما في قلبه، وإن سب ديننا ونبينا وسجد للصلبان والأصنام وألقى المصحف في الحشوش.
وإلا ... فما معنى اشتراط الشروط إذا كانت لاسبيل إلى معرفتها وهي في طي علم الغيوب، وإذا كان المؤلف لا يحكم على من ينقض إيمانه بالنواقض العملية إلا إذا صرح بلسانه أنه جامع بين أمرين الاستخفاف والعناد، فمذهب المرجئة القديم خير من هذا القول الرديء.
فان قدماء القوم كانوا يقولون إذا أظهر السجود للأصنام وسب الرسول يحكم بكفره ظاهرا لان أحكام الدنيا مبنية على الظاهر، فان كان مع ذلك مصدقا بقلبه كان مؤمنا عند الله، وهذا من أحكام الآخرة ولم نخاطب بها، وأما هؤلاء المحدثون فانهم يقولون لانحكم بكفره حتى يعلن بلسانه انطواء قلبه على الاستخفاف والاستكبار، فأولئك أفسدوا أحكام الآخرة، وهؤلاء أفسدوها وأحكام الدنيا فانا لله وانا إليه راجعون.
ثم يا قوم، يا أهل العقول والإنصاف، ان كنتم تقولون لا نكفر ساب الرسول والساجد للأصنام حتى نعلم كونه مستكبرا بقلبه مستخفا، على مذهب صاحب الكتاب المذكور، فقد خالفتم سلفكم من المرجئة وخالفتم إجماع أهل السنة كما سيأتي بيانه، وصرتم كالغراب الذي حاكى الحمامة فأضاع مشيته، وأخطأ مشيها.
وان كنتم تقولون نكفر ساب الرسول والساجد للأصنام من أهل النطق بالشهادتين، ولا نسأل عما في قلبه لامتناع أن يكون منه ذلك إلا مع استخفاف واستكبار، فليت شعري؛ أو ليس الذي يزيح الشريعة بقوة السلطان، بعد أن كان يحكم بها قضاة الشرع والعلماء، ثم يعاقب من يحكم بها منهم بالقتل والتشريد والحبس وقطع الأرزاق، ويأتي بأحكام الطاغوت، ينصبها حاكمة بين العباد في كل أوجل أمورهم وشئون معايشهم، فيفرضها فرضا ويحمل الناس عليها ويسوم من يحاربها سوء العذاب، أفلا يكون هذا أولى بوصف الاستخفاف من ذلك الذي يسجد للصليب أو يسب الدين طامعا في مال، فما بال القوم يحومون حول هذا الحمى ويخشونه، أم أن الكفر لا يجتمع والسلطان، فبينهما تهاجر عظيم الشان.
أو ليس حال أكثر بلاد المسلمين هذا الحال الذي وصفت، فهل يقدر أحد أن ينصب قاضيا يقضي بالشريعة الإلهية، إلا ويزج به في أشد العذاب، ويقولون: أفنحن لا نقضي بالعدل حتى تعارض القانون، أم تريد أن تجعل الشريعة، بدل قوانيننا الاوربية العريقة؟!
ثم أتاهم من حيث لم يكونوا يحتسبون من يفتيهم بأن قولوا نحن فيما فعلناه غير مستحلين ولا مستخفين ولا معاندين لله رب العاملين، فتكونون بحمد الله من جملة عصاة الموحدين، وهل هناك من لا يخطيء من المؤمنين؟
لكنكم مع ذلك من ولاة أمر المسلمين وقد علم مالكم من الحقوق العظيمة، ونحن معكم كلما فعلتم ما يكفر به، زدنا لكم شرطا من الشروط يخرجكم من باب التكفير، لتبقى إمامتكم الإسلامية على الدوام، ولا تنسونا بعد ذلك، بالفضل والإنعام، فصار حال هؤلاء المرجئة، وحال أهل الحق في دولة الطاغوت، كما قال الشاعر:
إذا قلت المحال رفعت صوتي
بالمعبود تصبح كامل الإيمان ... وما أصدق وصف الإمام ابن القيم لهذا المذهب الرديء إذ قال:
وكذلك الإرجاء حين تقر
وخرب البيت العتيق وجد في العصيان ... فارم المصاحف في الحشوش
وتمسحن بالقس والصلبان ... واقتل إذا ما استطعت كل موحد
من عنده جهرا بلا كتمان ... واشتم جميع المرسلين ومن أتوا
بل خر للأصنام والأوثان ... وإذا رأيت حجارة فاسجد لها
الباري لذي الأكوان ... وأقر أن الله جل جلاله هو وحده
من عنده بالوحي والقرآن ... واقر أن رسوله حقا أتى
وزر عليك وليس بالكفران ... فتكون حقا مؤمنا وجميع ذا
من كل جهمي أخي شيطان ... هذا هو الإرجاء عند غلاتهم
ونعيت بين معالم الأفراح ... وصار حال الشريعة بين الحكام بالطاغوت ومن يفتيهم بمثل هذه الفتاوى، كحال الخلافة لما دار عليها ما يدور اليوم على الشريعة، وحق لنا أن نتمثل قول شوقي:
عادت أغاني العرس رجع نواح
ودفنت عند تبلج الإصباح ... كفنت في ليل الزفاف بثوبه
في كل ناحية وسكرة صاح ... شيعت من هلع بعبرة ضاحك
وبكت عليك ممالك ونواح ... ضجت عليك مآذن ومنابر
تبكي عليك بمدمع سحاح ... الهند والهة ومصر حزينة
أمحا من الأرض الشريعة ماح ... والشام تسأل والعراق وفارس
وقد كانت مأساة الخلافة التي بكى عليها شوقي، ثم دارت على الشريعة، ثم آل الأمر اليوم إلى إفساد عقائد الناس، وتهوين ارتكاب الكفر الأكبر، بتركيبه على مذهب المرجئة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
والمقصود أن في الكتاب المذكور مواضع تحتاج الى تفنيد، وليس هذا هو موضعه، ومن العجب أنه بعد الاطلاع على الكتابين المذكورين، وما فيهما من مطابقة أو مقاربة مذهب أهل الإرجاء، قرأت لبعض الكتاب من أهل الكويت ممن يطلب علوم الشريعة، وينتسب إلى عقيدة السلف، مقالا في صحيفة يقرر فيه أن ما يندفع به وعيد عصاة الموحدين، يندفع به حكم التكفير بجامع أنهما من الوعيد، وذلك كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة والشفاعة أو غيب لا نعلمه ولم نؤمر أن نبحث عنه، كما قال بلفظه.
وأظنه قرأ الكتابين فأساء فهم مافيهما من الصواب، وزاد على ما فيها من الخطأ، فحاز السيئتين، وهكذا البدع تبدأ صغارا ثم تؤول كبارا، ولما رددت عليه وبينت أنه يخالف اجماع اهل الاسلام ويقول بما لم يضل به حتى غلاة المرجئة، رد علي قولي، وتمسك بما عليه من البهتان، وظن أننا في مفاخرة في الردود أو مغالبة بين الاقران.
ثم بعد هذا كله جرت احاديث في مجالس عديدة حول هذه القضية، وحصل فيها حوارات كثيرة، وجرى في هذه المجالس كلام طويل متشعب، وقرأنا كلاما لاهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، ثم طلب مني بعض الاخوة أن أسوق ما جرى من الكلام سياق الحوار بين اثنين، أجعل معنى ماقلته في الحوارات طرفا، وأذكر ما ذكرت من الكلام في المجالس المتفرقة، وأسوق كلام غيري مساق متكلم واحد، وأزيد ما يحتاج الى زيادة لتوضيح الكلام وإيصال المعنى بأوضح عبارة، وأجعل ذلك كله كحديث مجلس واحد تمثيلا للقارئ.
وذلك لتقرب المسألة من صغار الطلبة ويفهمها المبتدئ في تعلم العقيدة السلفية، فرأيت الإجابة لطلبه، اقتداء بمن تقدم من أهل العلم في تصوير مسائل العلم على هذا النحو كابن القيم في نونيته وغيرها وغيره من العلماء.
وليس مقصودي شرح جميع مسائل الايمان وبيان الفرق بين مذهب السلف ومذهب غيرهم فيه، فان ذلك يطول جدا، وانما أذكر ما جرى حوله غالب أحاديث الحوار، ويستفيد منه من عنده معرفة بأصول هذا الباب دون غيره، والله الموفق وعليه التوكل، وهذه صورة المحاورة.
وأنبه قبل البدء، إلى أن دراسة هذه القضية إنما تهدف إلى إيقاف طلبة العلم على حقيقة الحكم الشرعي المذكور في الكتاب والسنة في موضوع الإيمان ونواقضة، وأن هذا من الفرض الواجب، ولايجوز السكوت عن بيانه حفاظا على الدين الحق من الاندراس واختلاط مفاهيمه الحقه بالباطل، غير أنه ينبغي لكل مسلم أن يحتاط في باب الحكم على الناس بنقض الايمان ولايقدم عليه الا بعلم، ولولا انتشار الجهل في هذه القضية ودخول مذهب الإرجاء على كثير من المنتسبين إلى العلم، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، وخوفا من استقرار البدعة في نفوس كثير من الناس لما كتبت فيها، فقد صنف العلماء فيها مصنفات كثيرة وأحسن ما كتب من المعاصرين في هذه المسألة الشيخ العلامة سفر الحوالي حفظه الله في كتابه (ظاهرة الارجاء وأثرها على العالم الاسلامي) .