ثمَّ جاءَ الحافظُ جلالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ (1) فجزَمَ بثبوتِهِ وحقَّقَهُ في (( شرحِ جامعِ التِّرْمِذِيِّ ) )بكلامٍ طويل، وقال فيه: مَن قالَ: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم لم يُباشرْ هذه العبادَةَ بنفسها، وألغْزَ في ذلكَ فقد غَفِل.
ورأيتُ في شرحِهِ لـ (( صحيحِ البخاري ) )المُسمَّى بـ (( التَّوشيحِ ) )ما لفظُهُ: كثرَ السُّؤالُ هل باشرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم الأذانَ بنفسِه؟
وقد أجابَ النَّوَوِيُّ بأنَّهُ أذَّنَ مرَّةً في سفر، أخرجَهُ التِّرمذيّ، وقال ابنُ حَجَرٍ: لكن وجدنا الحديثَ في (( مُسندِ أحمد ) ): (فَأَمَرَ بِلالًا) .
قلتُ (2) : وقد ظفرتُ بحديثٍ آخرَ مرسل، وهو ما أخرجَهُ سعيد بن منصورٍ في (( سنِنه ) )حدَّثنا أبو معاويةَ، حدثنا عبدُ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ القُرَشِيِّ عن ابنِ أبي مليكة، قال: (أذَّنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً، فَقَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاح) (3) ، وهذه روايةٌ لا تقبلُ التَّأويل. انتهى.
قال الزَّرقانيّ: هذا الذي يُجْزَمُ فيهِ بالتَّعدُّدِ لاختلافٍ عندَه، وانظر ما أحسنَ قولَه: آخر. انتهى.
أقولُ (4) : وباللهِ التَّوفيق، ومنهُ الوصولُ إلى التَّحقيق، إنَّما الخلافُ في أذانِ الصَّلاة، هل باشَرَ بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم أم لا؟
(1) هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن السُّيُوطِيّ الطولونيّ الشَّافِعِيّ، أبو الفضل، جلال الدين، من مؤلفاته: (( الدر المنثور ) )، و (( حاشية تفسير البيضاوي ) )، و (( مزهر اللغة ) )، (849 - 911 هـ) . انظر: (( الضوء اللامع ) ) (65 - 70) ، (( النَّور السَّافر ) ) (ص 51) ، (( مقدمة التعليق الممجد ) ) (ص 25) .
(2) القائل هو السيوطيّ رحمه الله.
(3) لم أقف على هذه الرواية في (( سنن سعيد بن منصور ) ).
(4) القائل هو اللَّكْنَوِيّ رحمه الله.