فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 209

وليرتقي المرتقى السهل على جثَّة أبي جهل الهامدة، وهو يغرغر، ليعلم الطغاة أنَّ مصيرهم في الدنيا إلى سفول، ومصيرهم في الآخرة إلى جحيم ووبال، وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة مثل الذر يطؤهم الناس بأقدامهم] .

وهنا يرد سؤال واقعي:

هل الحضارة المعاصرة على اختلاف مواطنها لها استثناء من الإهلاك وحصانة من الزوال والعقاب الإلهي؟ هل هي أكبر من أن تنالها قدرة الله؟ أم أن الحضارة المعاصرة بما يمثلها من دول ومجتمعات ما هي إلا حلقة من حلقات التاريخ البشري يجري عليها كل ما يجري على غيرها من حضارات سابقة اتجهت وجهتها وبغت بغيها؟

هذا هو جواب الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: قال جل وعلا: [وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] (القمر: 51) . وقال سبحانه: [فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ] (الزخرف: 8) . وقال: [أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (التغابن: 5) . وقال: [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا] (محمد: 10) . وقال سبحانه: [وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ] (هود: 83) . وقال جل وعلا: [أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ] (القمر: 43) .

إذن الحضارة المعاصرة ليست نموذجًا فريدًا في تاريخ البشرية يستثنى من العقوبة الإلهية، وليست أكبر من أن تعاقَب، وليست أفضل من غيرها مما سبق من الحضارات.

هذا ملخص مضمون الآيات القرآنية المتقدمة. وإن المتتبع لآيات القرآن العظيم المعجز يجد أن أهم الأسباب، وأبرز العوامل المؤدية إلى انهيار الحضارات، ودمارها وكنسها من التاريخ ثلاثة عوامل، وليس كما ذهب إليه بع المؤرخين كالمؤرخ «بول كندي» الإنجليزي الأصل الأمريكي الموطن؛ حيث تناول الحقبة الممتدة من (1500 - 2000م) ، وتناول سقوط الإمبراطورية الإسبانية والبريطانية والعثمانية والروسية، وبيَّن أن مواصفات السقوط لهذه الإمبراطوريات تنطبق على الولايات المتحدة؛ فهو بمعنى آخر يبشر بسقوطها وانهيارها، وعلى رغم ما واجه من نقد لنظريته فهو مُصرّ عليها، ويدافع عنها، لكنه - ولا يستغرب من أمثاله ممن يفسرون التاريخ على ضوء المادية الجدلية - عزا أسباب السقوط إلى الإفراط في القوة والتوسع؛ بحيث إن الالتزامات الاستراتيجية للإمبراطورية إذا زادت عن القوة الاقتصادية لها أدت

إلى عجزها وسقوطها. أما العوامل الثلاثة التي تحمل استحقاق الغضب الإلهي، وعقوبة الدمار

والانهيار التي أشار القرآن الكريم إليها فهي: الكفر، الظلم والاستكبار، والفساد الخلقي والاجتماعي.

-أما الكفر فقد وردت آيات كثيرة تدل على أن الكفر بالله تعالى ونكران توحيده وطاعته من أسباب الدمار، وأكتفي بالاستدلال بنماذج من الآيات؛ فالحصر متعسر، ولا يتسع له المقام: قال تعالى: [كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ] (الأنفال: 52) . وقال جل وعلا: [وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَ صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ] (الرعد: 31) . وقال سبحانه في شأن دمار سبأ: [ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الكَفُورَ] (سبأ: 17) . والآيات أكثر من أن تُحصَر في هذا المقام؛ فقد وردت كلمة الكفر ومشتقاتها في الكتاب العزيز في نحو سبعة وعشرين وخمسمائة موضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت