وهذا موضوع افتراضيّ من حيث المثال الذي يقدمه ابن جني، ولكنه استكمال نظري ليس من بأس في معالجته، يقول:"وذلك أنك لو أخرجت مصدر (ضاربْتُ وقاتَلْتُ) على أصلها لقلت: (ضِيْراب وقِيْتال) فقلبت ألف (ضاربت وقاتَلْتُ) ياء لانكسار ما قبلها، ثم إنك لو سميت بهذين المصدرين، ثم صغرتهما لوجب أن تقول: (ضُوَيْرِيب وقُوَيْتِيل) فتقلب الياء واوًا، وتزيل الياء لزوال الكسرة التي كانت قبلها" [1] .
ويعرض هنا إشكالان الأول أنه لم يبين لم افترض أن الأصل (ضيراب) والثاني القول بقلب الياء واوًا وأصلها ألف.
وهو لم يبين الأول لأنه يفترض معرفته، وهي أن وجود المد في الفعل يقتضي ما يقابله في المصدر. أما عن الثاني فقال:"فإن قلت: فأنت تعلم أن هذه الياء ليس أصلها واوًا، وإنما هي بدل من ألف (فاعَلْتُ) فَلِمَ قلبتها واوًا وليست منقلبة عن الواو."
فالجواب: أنا قد علمنا أن أصل هذه الياء في (فِيْعال) ألف في (فاعَلْتُ) وأنها إنما صارت ياء لانكسار ما قبلها، فلما زالت الكسرة من قبلها بضمة التصغير لم يمكنك ردّها إلى الألف لأجل الضمة قبلها، ولم يبق هناك غير الواو، فقلبت إليها، فقلت: (ضُوَيْرِيب وقُوَيْتِيل) فاعرف ذلك وقس عليه ما شاكله" [2] ."
والبيان الذي يزيل الإشكالين في التفسير الذي نرتضيه؛ وهو أن الألف في الفعل أصلها همزة (ضأرب) والمصدر هو (ضِئرأب) بهمزتين وحذفتا ومطلت الحركتان تعويضًا عن المحذوف، فكانت ياء المد والألف. أما التصغير فهو منطلق من البنية العميقة التي هي الأصل:
ضِئرأب • ضُؤيرِئب
وحذفت الهمزتان فالتقت في موضع الأولى حركتان ضمة وفتحة فأقحمت واو الوقاية بينهما، وعوض عن الثانية بمطل الحركة (الكسرة) :
ضُؤيرِئب • ض ـُ ط ـَ ي ر ـِ ط ب • ض ـُ و ـَ ي ر ـِ ـِ ب = ضُوَيْرِيب
ويسوق ابن جني مثالا احترازيًّا يبين أنه ليست كل ياء مبدلة تخلفها الواو هو قلب للياء إلى واو، إذ قد تكون الواو هي الأصل الذي رجع إليه، قال:"وأما قولك في تصغير (قِيْمة و دِيْمة) : (قُوَيْمة ودُوَيْمة) فليست الضمة هي التي اجتلبت الواو، وإنما أصل الياء فيهما واو من (الدَّوام وقَوَّمْتُ) ، فلما فقدت الكسرة من القاف والدال رجعت الواو التي كانت قُلبت للكسرة؛ ألا ترى أنك تقول في (فَعْلة) منهما: (قَوْمة ودَوْمة) فتجد الواو فيهما ثابتة وإن لم تكن هناك ضمة، وهذا مُنْجلٍ" [3] .
(1) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 2: 592 - 593
(2) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 2: 593.
(3) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 2: 593.