بكى معاذ بن جبل عند موته، وقال:"إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالرُّكب عند حلق الذِّكْر".
وإسباغ الوضوء في شدَّة البرد من أفضل الأعمال، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ ) )، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (( إسباغ الوضوء على المكارِه، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط ) )، وفي حديث معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى ربَّه - عز وجل - يعنى: في المنام - فقال له: (( يا محمد، فيمَ يختصم الملأُ الأعلى؟ ) )، قال: (( في الدرجات والكفَّارات، قال: والكفارات: إسباغ الوضوء في الكريهات، ونقل الأقدام إلى الجُمُعات - وفي رواية: الجَمَاعات - وانتظار الصلاة بعد الصلاة، مَن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من ذنوبه كيوم ولدتْه أمُّه، والدرجات: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نِيام ) ) [4] ، وفي بعض الروايات: (( إسباغ الوضوء في السبرات ) )، والسبرة: شدة البَرْد.
وقد امتنَّ الله على عبادِه بأن خلَق لهم من أصواف بهيمة الأنعام وأوبارها وأشعارها ما فيه دفء لهم من البرد؛ قال - تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ) [النحل:5] ، وقال - تعالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) [النحل:80] ، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا حضر الشتاء تعاهدهم، وكتب لهم بالوصية:"إنَّ الشتاء قد حضر، وهو عدو، فتأهبوا له أهبته من الصُّوف والخفاف والجوارب، واتَّخِذوا الصوف شعارًا ودثارًا؛ فإن البرد عدوٌّ سريعٌ دخولُه، بعيدٌ خُرُوجُه"، وذلك من تَمام نصيحته وحسن نظره، وشفقته وحياطته لرعيته - رضي الله عنه -.