الصفحة 58 من 75

أما السهيلي فيذهب مذهبًا آخر، حيث يقول:"الاختيار تقديم الاسم المجرور إذا لم يسقط حرف الجر. ويجوز فيه التأخير، تقول: (اخترت من الرجال عشرة) ، ولو قدمت العشرة لم يحسن؛ لأن المخاطب يتوهم أن المجرور في موضع النعت للعشرة وليس في موضع المفعول الثاني، وأيضًا فإن الرجال معرفة فتقديمه أحق بالاهتمام، كما لزم تقديم المجرور الذي هو خبر عن النكرة من قولك (في الدار رجل) يكون المجرور معرفة فكأنه المخبر عنه" [1] .

والحالة التي يشير إليها السهيلي فرعية، فالقول إذن بتأخير المفعول غير المباشر ما لم يكن تأخيره ملبسًا فإذا خيف اللبس وجب التقديم.

ثمّ ذكر السهيلي أنه إذا حذف الحرف من مثل (اخترت من الرجال عشرة) فإنه يتعين تقديم الاسم المنصوب على نزع الخافض فلا تقول: اخترت عشرة الرجال [2] . وقد لاحظنا أن المثال الذي طرح عند السيرافي على هذا، ويعلل السهيلي لهذا بقوله:"والحكمة في ذلك أن المعنى الذي من أجله حذف حرف الجر هو معنى غير لفظ، فلم يقو على حذف الجر إلا بعد اتصاله به وقربه منه. ولوجه آخر أيضًا وهو أن القليل الذي اختير من الكثير إذا كان مما يتبعض ثم ولي الفعل الذي هو (اخترت) يوهم أنه مختار منه أيضًا؛ لأن كل ما يتبعض يجوز أن يختار منه وأن يختار، فألزموه التأخير وقدموا الاسم المختار منه" [3] .

وجوّز السهيلي على قلة ما لا يتبعض نحو: زيد وعمرو، واستشهد بقول الفرزدق:

وَمِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَالَ سَماحَةً ... وَخَيْرًا إِذَا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ

ودعوى حذف حرف الجر للاتصال بالفعل والقرب منه منقوضة بقوله: (أمرتك الخيرَ) .

واضطر السهيلي إلى تعليل تأخير المفعول غير المباشر مع فعل آخر هو (استغفر) فقرر أن هذا الفعل يخالف الفعل (اختار) في أن الاسم المنصوب على نزع الخافض يتأخر معه فيقال: استغفر زيد ربه ذنبه. والسبب في ذلك أن هذا الفعل في الأصل يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وليس بحرف الجر، يقول:"وأما هذه فالأصل فيها سقوط حرف الجر، وأن يكون (الذنب) مفعولًا بالغفران الذي لا يتعدى بحرف؛ لأنه من (غفرت الشيءَ) إذا غطيته وسترته،"

(1) السهيلي، نتائج الفكر، ص 330.

(2) السهيلي، نتائج الفكر، 330.

(3) السهيلي، نتائج الفكر، ص 331.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت