الصفحة 65 من 75

هذا مذهب سيبويه [1] وأجاز غيره: أعلمت زيدًا، إذا قدرته المفعول الأول لا الثاني أو الثالث؛ لأن الثاني والثالث لا يستغني أحدهما عن الآخر وأجازوا أعلمت زيدًا أخاك على أن يكون الثاني والثالث لا الأول والثاني. وابن عصفور يمنع ذلك كله [2] .

الفصل الثاني

من قضايا التعدي واللزوم

بيّن السيرافي في شرحه للكتاب أن سيبويه يجعل المفعول الذي تدل صيغة الفعل عليه أقوى من المفعول الذي لا تدل صيغة الفعل عليه [3] . ولهذا تعدى الفعل اللازم إلى هذه المفعولات التي تدل عليها صيغة الفعل عليه اثنان المصدر وظروف الزمان [4] ، قال سيبويه عن تعدي اللازم إلى المصدر"واعلم أن الفعل الذي لا يتعدى الفاعل يتعدى إلى اسم الحدثان الذي أخذ منه، لأنه إنما يذكر ليدل على الحدث. ألا ترى أن قولك قد ذهب بمنْزلة قولك قد كان منه ذهاب؟ وإذا قلت: ضرب عبدالله لم يستبن أن المفعول زيد أو عمرو، ولا يدل على صنف كما أن ذهب قد دلّ على صنف وهو الذهاب، وذلك كقولك ذهب عبدالله الذهاب الشديد [5] . إذن هناك علاقة دلالية شديدة بين الفعل ومنصوبه وهو المصدر فهو متضمن لمعناه وإن لم يذكر وهو إن ذكر يدل على نوع الحدث أو عدده، وليس كذلك المفعول به الذي لا يتضمنه الفعل. وإذا كان بين المصدر والفعل علاقة من حيث الدلالة المعجمية حيث يشتركان في المادة ويدل الفعل بمادته على المصدر فإنه يدل على الزمن ببنائه، قال سيبويه"ويتعدى إلى الزمان، نحو قولك: ذهب؛ لأنه بني لما مضى منه وما لم يمض، فإذا قال: ذهب، فهو دليل على أن الحدث فيما مضى من الزمان، وإذا قال: سيذهب، فإنه دليل على أنه يكون فيما يستقبل من الزمان، ففيه بيان ما مضى وما لم يمض منه، كما أن فيه استدلالًا على وقوع الحدث. وذلك قولك: قعد شهرين وسأذهب غدًا" [6] ."

ويتعدى اللازم أيضًا إلى نوع آخر من المفاعيل له علاقة دلالية به وهو اسم المكان المشتق من لفظه والعلاقة إذن دلالية ولفظية، والفعل وإن لم يدل بلفظه على هذا المفعول، فإن هذا المفعول من لوازمه أو أنّ الفعل مما يقتضيه، ويتعدى أيضًا إلى ما دلّ على المكان بشكل عامّ كلفظ: مكان، وجه. قال سيبويه:"ويتعدى إلى ما اشتق من لفظه اسمًا للمكان وإلى المكان؛ لأنه إذا قال ذهب أو قعد فقد علم أن للحدث مكانًا وإن لم يذكره كما علم أنه قد كان ذهاب، وذلك قولك: ذهبت المذهب البعيد، وجلست مجلسًا حسنًا، وقعدت مقعدًا كريمًا. وقعدت المكان الذي رأيت، وذهبت وجهًا من الوجوه" [7] .

ويدخل في هذا تعدي اللازم إلى المسافة المكانية المقيسة من نحو تعديه إلى الزمن المؤقت، فذكر سيبويه أنه يتعدى إلى ما كان وقتًا في الأمكنة، كما يتعدى إلى ما كان وقتًا في الأزمنة، لأنه وقت يقع في المكان ولا يختص به مكان واحد، نحو: ذهبت فرسخين وسرت الميلين كما تقول ذهبت شهرين وسرت اليومين [8] .

ولكن مستعملي اللغة لا يلزمون هذه القواعد أو يقفون عندها بل يذهبون إلى أبعد من ذلك كما لاحظ سيبويه، حيث يجدهم يعدون الفعل اللازم إلى أسماء لا دلالة في الأفعال عليها، قال:"وقد قال بعضهم ذهبت الشام، يشبه بالمبهم [9] إذ كان مكانًا يقع عليه المكان والمذهب. وهذا شاذ؛ لأنه ليس في ذهب دليل على الشام، وفيه دليل على المذهب والمكان. ومثل ذهبت الشام، دخلت البيت" [10] . والسبب في شذوذ مثل هذا أنَّ"الأماكن إلى الأناسي ونحوهم أقرب ألا ترى أنهم يخصونها بأسماء كزيد وعمرو، وفي قولهم مكة وعمان ونحوهما، ويكون منها خِلَق لا تكون لكل مكان ولا فيه كالجبل والوادي والبحر، والدهر ليس كذلك. والأماكن لها جثة. وإنما الدهر مضيّ الليل والنهار فهو إلى الفعل أقرب" [11] . فحق هذه الأسماء الدالة على الأماكن غير مبهمة أن يتعدى إليها اللازم بحرف الجر، ولكن

(1) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 313.

(2) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 313 - 314.

(3) السيرافي، شرح الكتاب، 3: 231.

(4) السيرافي، شرح الكتاب، 3: 231.

(5) سيبويه، الكتاب، 1: 34، 35.

(6) سيبويه، الكتاب، 1: 35.

(7) سيبويه، الكتاب، 1: 35.

(8) سيبويه، الكتاب، 1: 36.

(9) قال ابن السراج: ومعنى المبهم أنه هو الذي ليست له حدود معلومة تحصره وهو يلي الاسم من أقطاره نحو: خلف، وقدام، وأمام، ووراء (الأصول في النحو 1: 237) .

(10) سيبويه، الكتاب، 1: 35.

(11) سيبويه، الكتاب، 1: 36 - 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت