الصفحة 57 من 75

المعنى والنظير، كقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ ?لَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [63 - النور] الأصل يخالفون أمره، لكن لما كان فيه معنى يعدلون وينحرفون عدي بعن، فكذلك استغفرت لما كان فيه معنى تبت وأنبت عدي بمن."فإذا قيل استغفرت الله ذنبًا كان بمنْزلة أن يقال: خالفت أمر زيد، في جريه على أصله وموضوعه. فكيف يجوز أن يجري مجرى أخذت الذي لا يصح له معنى حتى تقدر تعديه بمن؟ هذا كما تراه في غاية الوضوح فلا أدري كيف استمروا على عدّه في هذا الباب، وما عذرهم فيه؟ اللهم إلا أن يقال: إنه وإن كان مستحقًّا في أصله أن يتعدى بغير من، فإنهم لمّا تأولوا فيه معنى وأجروه مجراه صار التعدي بمن أصلًا فيه، فلمّا حذف في بعض المواضع، كان حكمه حكم اخترت في كونه معدولًا به عن التعدي بمن إلى تناول الاسم بنفسه، هذا ما يمكن أن يقال فيه والله أعلم بالصواب" [1] .

وتابع ابن الطراوة الجرجاني في ذلك [2] . وممن أخذ بهذا القول السهيلي وأبوحيان وابن هشام [3] .

وقد تساءل السهيلي في مطلع كلامه على المتعدي المنقول نحو: أعطي زيد عمرًا درهمًا، فقال:"وهذا وأشباه المنقول الذي صيّر فاعله مفعولًا. وقد اختلفوا أهو قياس مستتب في جميع الأفعال أم لا؟ وليس مذهب سيبويه فيه طرد القياس في جميع الأفعال، وهو الصحيح" [4] . وقد سبق أن سقنا قول سيبويه الذي يذهب فيه إلى أنه ليس كل فعل لازم يتعدى تعديًا مباشرًا إلى مفعول، وليس كل فعل متعد يتعدى إلى مفعولين [5] . وقد سقنا اختلاف موقف النحويين في ذلك في موضع سابق.

وعلى نحو اختلافهم في قياسية تعدي الفعل بالهمزة إلى مفعولين، اختلفوا في قضية حذف الجار وتعدي الفعل إلى المفعول الثاني. وقد سقنا تفصيل هذا الخلاف بما يغني عن الإعادة.

ومما يتصل بهذا قضيةُ ترتيب المفعولات.

هناك خلاف في ترتيب المفعولات المباشرة وغير المباشرة، حيث يذهب السيرافي والفارسي إلى تقديم المفعول المباشر فالمفعول غير المباشر، قال السيرافي:"وذلك قولك: اخترت الرجال عبدالله، والأصل اخترت عبدالله من الرجال" [6] . وسمى الفارسي المفعول الذي يتعدى إليه الفعل بحرف الجر المفعول الثاني [7] ، ونجد الكلام صريحًا على رتبة المفعولات عند الجرجاني قال:"فالمتقدم في الرتبة هو المنصوب كقولك أخرجت زيدًا من الرجال وميزت زيدًا من الرجال" [8] ، ولكن المفعول غير المباشر أي المجرور قد يتقدم لفظًا، وقد تنبه الجرجاني إلى ذلك وأشار إليه بقوله:"فإن قدمت من الرجال، كان النية التأخير، كما أنك إذ قلت: أخذت منك درهمًا، كان مرتبة الدرهم قبل مرتبة منك، وإنما يقدم من في نحو هذا لأن البيان فيه فيعنى به" [9] .

وإذا حذف حرف الجرّ فإن ذلك لا يغير في الرتبة شيئًا فما كان في الأصل مجرورًا رتبته متأخرة، قال الجرجاني:"وإذا حذف من فقيل: اخترت الرجال زيدًا، جرى مجرى أعطيت زيدًا درهمًا، في الظاهر. وعلى ذلك قوله تعالى {وَ?خْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا} [155 - الأعراف] الأصل من قومه. فالمفعول الصحيح هو زيد في المسألة وفي الآية سبعين رجلًا، ألا ترى أن الاختيار وقع عليه ولم يقع على القوم والرجال، وإنما التبس بهم من حيث كان الاختيار منهم فقط" [10] وصرح ابن السيد البطليوسي أيضًا بتقديم المفعول المباشر، قال:"ومرتبة المفعول الذي يتعدى إليه الفعل بغير واسطة قبل المفعول الذي يتعدى إليه بواسطة" [11] ، أما في حالة المفعولين المنصوبين فالمتقدم هو الفاعل في المعنى، قال:"وإذا تعدى الفعل إلى مفعولين، والأول منهما فاعل في الثاني في المعنى، كقولك (كسوت زيدًا ثوبًا) فمرتبة الذي هو فاعل في المعنى مقدمة على مرتبة الذي هو مفعول به" [12] .

(1) الجرجاني، المقتصد، 1: 614 - 616.

(2) وعلى هذا لا يكون ابن الطراوة متفردًا بهذا القول خلافًا لما ذهب إليه عيّاد الثبيتي، فقد عدّ هذا القول في الآراء التي تفرد بها ابن الطراوة، انظر: ابن الطراوة النحوي، ص 255.

(3) عياد الثبيتي، ابن الطراوة النحوي، ص 255.

(4) السهيلي، نتائج الفكر، ص 327.

(5) سيبويه، الكتاب، 1: 39.

(6) السيرافي، شرح الكتاب، 3: 251.

(7) الفارسي، الإيضاح العضدي، ص 173.

(8) الجرجاني، المقتصد، 1: 613.

(9) الجرجاني، المقتصد، 1: 613.

(10) الجرجاني، المقتصد، 1: 613 - 614.

(11) ابن السيد البطليوسي، الحلل، ص 229.

(12) ابن السيد البطليوسي، الحلل، ص 229 - 230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت