فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 106

عن أي بحر ركب، ثم عدل عن ذلك بسرعة للحديث عن مكان خروج الدجال من ناحية المشرق، وقال: بل من قبل المشرق.

والحكمة من ذلك صرف أذهان المسلمين من ملاحقة الأمر في تتبع جزيرة الدجال أو الانشغال فيما لا ينفع، ويكفي من سياق الحديث أن يعيشوا مع دليل من دلائل النبوة وهو موافقة كلام تميم لما أخبرهم به النبي - صلى الله عليه وسلم -.

لذا سارع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتأكيد على جهة الشرق دون ذكر بحر، للإشارة إلى مكان خروجه، فهذا الذي يعني المسلمين، وليس المراد من ذلك كما يفهم البعض من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تحير في مكانه، بل المقصود من ذلك صرف أذهان الناس عما يشغلهم أو يفتنهم دون جدوى، وهذا من حكمة النبي - صلى الله عليه وسلم -،وهي حكمة أجدر بكل داعي أن ينتبه لها، فلا يشغل الناس حوله بما لا فائدة منه.

رابعًا: مثلثا برمودا و فرموزا [1] وجزيرة الدجال.

بينت في الفقرة السابقة وجه الحكمة في عدم تعيين النبي - صلى الله عليه وسلم - لجزيرة الدجال، ونلحظ في عصرنا أن عددًا من المؤلفين قد تناولوا هذا الموضوع وتأولوه بطريقة متعسفة لا تمت للنقل أو العقل بصلة، بل هي شطحات يراد بها الإثارة ولفت الانتباه؛ حيث زعم محمد عيسى داود أن جزيرة الدجال هي إحدى جزر مثلث برمودا في المحيط الأطلسي بالقرب من الجنوب الشرقي لأمريكيا الشمالية، وعزا بعض الظواهر الغريبة التي وقعت بالقرب من تلك المنطقة لقدرات الدجال، ويزعم محمد داود أن الدجال وحكومته الخفية هناك تتحكم في العالم المعاصر، وأنه يتنقل في عالمنا من خلال الأطباق الطائرة. [2]

ولاحقه في ذلك منصور عبد الحكيم، لكنه يزعم أن جزيرة الدجال هي في مثلث فرموزا في المحيط الهادي بالقرب من الصين، ويزعم أنه حقق بذلك سبقًا علميًا لم يسبقه إليه أحد، أما جزيرة برمودا في المحيط الأطلسي ففيها عرش إبليس، واعتبر هذا الفهم من باب الاجتهاد والفتوحات الربانية، والغريب أن أول ما سطر هذان الرجلان شطحاتهما كان في كتب لهما تتعلق بحوارات مع الجن، فمحمد عيسى داود ذكر ذلك في كتابه: حوار صحفي مع الجني المسلم، ومنصور عبد الحكيم ذكر ذلك في كتابه: مواجهة الجن، واعتبر ما وصل إليه فتحًا ربانيًا. [3] فهل هو فتح رباني أم تلبيس شيطاني من خلال شياطين الجن.

وقد سار في فلك هذين المؤلفين عدد آخر من الكتاب منهم: محمد عزت عارف في كتابه: سكان تحت الأرض، وهشام كمال عبد الحميد في كتابه: اقترب خروج المسيح الدجال. [4]

وخلاصة القول: هذه تأويلات متعسفة لا تستند إلى دليل علمي أو عقلي، بل العقل والنقل يأبى مثل هذه الشطحات، فالمعلوم من نص حديث تميم أنه صريح بأنه لعب بهم الموج شهرًا حتى أرفئوا إلى جزيرة عند غروب الشمس، فهل يعقل أن البحر

(1) (-) 1 - مثلث برمودا: عبارة عن مثلث وهمي يقع في المحيط الأطلسي ويبعد عن سواحل الولايات المتحدة 930 كيلو متر، يقع رأس هذا المثلث الشمالي عند جزيرة صغيرة تسمى برمودا ومساحتها 53كيلو متر مربع، ويقع رأسه الجنوبي الشرقي عند جزيرة (بورتوريكو) ورأسه الجنوبي الغربي عند ميامي في فلوريدًا.

2 -مثلث فرموزا: مثلث وهمي يقع في المحيط الهادي، بالقرب من ساحل الصين الجنوبي الشرقي رأس المثلث الشمالي يقع في جزيرة (كليبارت) في البحر الأصفر، ويقع رأسه الشمالي الشرقي في جزيرة (الويك) ، أما رأسه الجنوبي الغربي فيقع عند جزيرة فموزا الذي تسمى المثلث باسمها.

وهذان المثلثان تميزا ببعض الحوادث البحرية والجوية، والبعض يسمي مثلث فرموزا بؤرة الشيطان، أو مقبرة السفن، والحقيقة أن الظواهر الغريبة التي نسبت لهذين المثلثين قد شابها بعض التهويل والتضخيم الذي تتخلله الأوهام، فالحوادث التي وقعت فيهما هي حوادث طبيعية في مناطق مضطربة جويًا وبحريًا، و هناك زمرة من الحوادث قد نسبت زورًا لهذه المناطق بالرغم من كونها وقعت خارجها، لكن الخرافة والوهم قد عززا من مبالغة الناس في توصيف هاتين المنطقتين بالذات [انظر: مجدي سيد عبد العزيز: برمودا المثلث الملعون؛ رياض مصطفى العبد الله: مثلث برمودا والأطباق الطائرة بين الحقيقة والأسطورة؛ د. عبد المحسن صالح: الإنسان الحائر بين العلم والخرافة]

(2) انظر داود: حوار صحفي مع الجني المسلم (99 وما بعدها) ؛ وانظر أيضًا كتاب: احذروا المسيح الدجال يغزو العالم من مثلث برموذا.

(3) انظر عبد الحكيم: نهاية العالم (194 وما بعدها) ؛ مواجهة الجن (161 وما بعدها) ؛ هل الدجال يحكم العالم (95)

(4) انظر عارف: سكان تحت الأرض (93 وما بعدها) ؛ عبد الحميد: اقترب خروج المسيح الدجال (59)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت