ثالثًا: جزيرة الدجال.
هذا العنوان لم أرغب في طرحه؛ لأنه لا فائدة منه ترجى؛ إلا أنني وجدت في طرحه حكمة دل عليها حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيت أن أبينها.
فالمعلوم أن لخم وجذام [قبائل تميم ومن معه] في منطقة قريبة من البحر الأبيض ومن البحر الأحمر، وهم أقرب إلى البحر الأحمر، ودلالات الحال تشير إلى أن البحر الذي قصدوه هو البحر الأحمر إما من جهة خليج العقبة أو غيره، والحديث يشير إلى أن سفينتهم لعب بها البحر شهرًا؛ أي تاهت في البحر شهرًا، وهذه المدة وفق الإمكانات القديمة تعطينا تصورًا إلى أقصى مدى يمكن أن تكون السفينة قد وصلته حال تلاعب البحر فيها، وهو إما خليج عدن أو قبله بقليل، أو تعدوه قليلًا في بحر العرب، والمعلوم أن ما قبل خليج عدن مئات بل آلاف من الجزر، مما يشير أن المقصود أحدها.
ويعزز ذلك أن اليمن نفسها دخلتها النصرانية، والجساسة وصفت المكان الذي فيه الدجال بأنه الدير، والمعلوم أن الدير من معابد النصارى في الغالب، وتميم كان نصرانيًا، ولم ينكر هذا القول من الجساسة.
ويعزز ذلك أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: { .. أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّامِ، أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ.} [1]
فالنبي الكريم حدد على وجه الإبهام بحرين يتوقع كون الدجال فيهما وهما بحر الشام وبحر اليمن، ثم عدل عن ذلك وأكد أنه من قبل المشرق، ولم يأت على ذكر بحر؛ أي لم يقل بحر من قبل المشرق، وفي هذا لطيفة عجيبة، وهي وجه الحكمة من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - في ظني - وبيانها في التالي:
النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنه لا فائدة من تعيين جزيرة الدجال أو البحث عنها؛ فهو ظاهرة خاصة هي جزء من قدر الله سبحانه وتعالى، وهي لا محالة واقعة؛ لذا وافق سياق قصة تميم بالحديث عن بحرين مع أنه يسهل عليه تحديد البحر المقصود من خلال سؤال تميم
(1) سبق تخريجه