للسلاجقة في آسيا الصغرى، وعدم اهتمام سلاجقة فارس أو الشام بالأمر حتى هذه اللحظة، وهذا الإحباط دفعه إلى فعل شنيع؛ إذ طلب من بلدوين أن يقبل بشراء سميساط بالمال، ويوفِّر على نفسه القتال والحرب، وطلب الأمير التركي مبلغ عشرة آلاف دينار ذهب مقابل تسليم المدينة بشعبها، ووافق بلدوين على الفور، فقد كانت خزينة الزعيم الراحل ثوروس مليئة بالأموال، ودفع المبلغ المطلوب، وتسلَّم المدينة المسلمة دون قتال [1] !!
ولا شك أن وجود مثل هؤلاء القادة المفرطين، والبائعين لكل شيء في مقابل المال كتفسيرٍ واضح لهذا الاجتياح الصليبي للبلاد المسلمة!!
ولم يكتف بلدوين بضم سميساط ولكن أتبعها بعد ذلك بضم سروج ثم البيرة لتتسع رقعة إمارة الرها [2] ، وتصبح مُرضيَّة لغرور الأمير الفرنسي بلدوين.
ومن خطوات بلدوين أيضًا لتثبيت أقدامه في إمارة الرها أنه كان حريصًا عند ضم المدن الإسلامية أن يحرِّر الأسرى الأرمن من السجون التركية، وخاصة في سميساط، وإرجاع هؤلاء الأسرى إلى عائلتهم الأرمينية دون مقابل؛ مما أكسبه مودة الشعب الأرمني وتعاطفه.
وكان من الخطوات الرئيسية التي اتخذها بلدوين أنه أنكر تبعيته للإمبراطور البيزنطي، وتحلَّل صراحةً من اتفاقية القسطنطينية [3] ، وضرب بهذا عصفورين بحجر واحد؛ فهو حقق أحلامه بتكوين إمارة يصبح هو القائد الوحيد لها دون تبعيته لأحد، ثم إنه أرضى الشعب الأرمني جدًّا حيث إن الأرمن المتعصبين لمذهبهم كان يحنقون بشدة على المذهب الأرثوذكسي. والجدير بالذكر أن المذهب الأرمني أقرب إلى الكنيسة الغربية منه إلى الأرثوذكس، ولكنه ليس متطابقًا معها، ومع ذلك فقد سمح بلدوين بالحرية العقائدية في إمارة الرها، ولم يضغط مطلقًا على الأرمن لتقليد المذهب الكاثوليكي الغربي، ولا شكَّ أن هذا وافق قبولًا عامًّا عند الشعب الأرمني [4] .
أما بالنسبة للإمبراطور البيزنطي فإنه لم يستطع أن يفعل شيئًا؛ لأن الرها كانت بعيدة عن مركز قوته، وكان تركيزه الأساسي على غرب آسيا الصغرى، ومدن منطقة قليقية، وعلى رأسها طرسوس وأذنة والمصيصة، كما كان مشغولًا جدًّا بأمر مدينة أنطاكية المهمة، التي يتجه إليها الجيش الصليبي الآن [5] .
أما بالنسبة لبلدوين فإنه لم يكتف بقبول الشعب الأرمني له، فإنه يدرك كقائد محنك أن هؤلاء ما استقبلوه بالترحاب إلا هربًا من التبعية البيزنطية من ناحية، وهربًا من السيطرة التركية من