الصفحة 97 من 390

طمع بلدوين في نصيحة الأرمني، وترك المدينة متجهًا ناحية الشرق، وفي الطريق وجد تانكرد على أبواب مدينة موبسواسطيه، فدار بينهما قتال بسبب الفرقة الإيطالية التي هلكت خارج أسوار طرسوس [1] ، ثم تصالحا في النهاية وأكملا الطريق لملاقاة الجيش الصليبي الرئيسي المتجه إلى أنطاكية.

ولكن عند وصولهم إلى الجيش الصليبي اجتمع زعماء الحملة الصليبية على لوم وتقريع بلدوين بما فيهم أخوه جودفري بوايون، واستغل بلدوين هذا اللوم والعتاب ليغضب وينسحب بجيشه من الجيوش الصليبية الرئيسية متجهًا ناحية الرها في الشرق [2] ، متناسيًا تمامًا قصة بيت المقدس والحجيج النصارى، فلم يكن له همٌّ إلا تأسيس مملكة خاصَّة به، وإن كانت بعيدة كل البعد عن بيت المقدس وطريق الحجيج.

وبالفعل خرج بلدوين من الجيش واتجه إلى الرها، وفي الطريق سلَّمت له كل المدن دون قتال، وغالبية سكانها كانت من الأرمن، ثم وصل إلى الرها، واستقبله أهلها الأرمن بالترحاب، وكان هذا على غير رغبة أميرها اليوناني ثوروس Thoros، الذي كان يدفع الجزية قبل ذلك للمسلمين [3] ، وكان يأمل أن يستقلَّ بالمدينة لنفسه ليصبح تابعًا للدولة البيزنطية لا لبلدوين، غير أن الأمير تعامل مع الأمر في واقعية، وقرر أن يأخذ حلاًّ وسطًا، وهو أن يعرض على بلدوين أن يصبح بمنزلة ابنه - وكان هذا الأمير مسنًّا - ومن ثَمَّ يُصبح الوريث الشرعي له على مدينة الرها وما حولها من مدن وقرى [4] ، وهي منطقة غنية خصبة، فوافق بلدوين على ذلك، ودخل المدينة، ثم إنه اتفق مع بعض الأرمن في المدينة على الغدر بثوروس، وبالفعل قتلوه، ليتسلم بلدوين مقاليد الحكم في المدينة، وليؤسِّس أول إمارة صليبية في العالم الإسلامي، وهي إمارة الرها، وذلك في (491هـ) مارس سنة 1098م [5] .

ولما كانت الحامية الصليبية في منطقة الرها صغيرة، والشعب بكامله من الأرمن تقريبًا، فقد اتخذ بلدوين عدة خطوات لتثبيت أركان إمارته، وعدم السماح بحدوث قلاقل أو اضطرابات.

كان من هذه الخطوات التزاوج بين الصليبيين الغربيين والأرمن، وبدأ بلدوين بنفسه حيث تزوج من الأميرة الأرمينية أردا Arda، وهي ابنة أحد زعماء الأرمن [6] .

وكان من هذه الخطوات أيضًا توسيع رقعة إمارة الرها، وذلك على حساب العدو اللدود للأرمن وهم الأتراك، فاتجه بجيش مشترك من الصليبيين والأرمن إلى مدينة سُمَيْساط، وهي على بُعد مسيرة يوم من الرها (45 كيلو مترًا شرقي الرها) ، وكان على رأسها أحد السلاجقة الأتراك، الذي أدرك من الوهلة الأولى أنْ لا طاقة له بحرب الجيش الصليبي الأرمني، وخاصةً بعد الهزائم المتتالية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت