وعند مدينة صوفيا أرسل لهم الإمبراطور البيزنطي وفدًا يحذرهم من عواقب هذه الهمجية، ويأمرهم بعدم البقاء أبدًا في أي مدينة بيزنطية أكثر من ثلاثة أيام، ثم تولى فريق من البيزنطيين قيادة هذه الجموع إلى أسوار القسطنطينية لمقابلة فرقة والتر المفلس هناك [1] .
إن الناطر لأحوال هذه الجموع المفسدة قد يتعجب، ولكن المحلِّل للتاريخ بدقة سيجد أن هذا أمرٌ طبيعيٌّ جدًّا، وكثير التكرار في كل مراحل التاريخ؛ إنها القوة التي نزعت منها الرحمة والأخلاق والدين، وأي قوة لم تُجمَّل بهذه الآداب فإنها - لا شك - ستكون طاغية مفسدة. لقد فعلت الجيوش الفارسية الشيء نفسه وهي في طريقها لحرب المسلمين في موقعة القادسية، حيث أغارت على عدة مدن وقرى فارسية في طريقها، وهذه المدن والقرى لا يقطن فيها إلا الفارسيون الذين تربطهم بهذا الجيش علاقات الدم والدين، ومع ذلك عاث الجنود الفارسيون في الأرض فسادًا، وذبحوا أهلها، ونهبوا أموالهم وديارهم، واعتدوا على نسائهم وأطفالهم!
والجيوش البيزنطية ذاتها التي تأمر الآن الجموع المفسدة بأن تملك أعصابها ولا تقتل إخوانها، هي ذاتها التي أذاقت أهل الشام النصارى العذاب ألوانًا، وفرضت عليهم الضرائب الباهظة، وحوَّلت كل المحاصيل والغلال إلى الدولة الرومانية، وفعلت ذلك وأكثر في مصر، مع أن الجميع في النهاية ينتمي إلى المذهب الأرثوذكسي!
والجيوش الألمانية النازية، ماذا فعلت عندما شعرت بقوتها؟!
إن كل الشعوب التي ذاقت ويلات الألمان كانت شعوبًا نصرانية مثل الألمان، بل إن الجيوش الإسلامية إن لم تكن إسلامية إلا بالاسم فقط، وفرغت من الخلق القويم والالتزام الشديد بقواعد الدين وأصوله؛ فإنها هي الأخرى جيوشٌ إرهابية يعاني منها المسلمون قبل غير المسلمين، وهذا نشاهده كثيرًا في الجيوش المسلمة التي تتبع مناهج علمانية بعيدة كل البعد عن الإسلام.
إن هذا الاستعراض لرحلة والتر المفلس أو بطرس الناسك يوضِّح لنا بجلاء طبيعة الحملات الصليبية، وأنها - وإن رفعت الصليب شعارًا - ما جاءت إلا للسلب والنهب والاستحواذ والتملُّك.
ولم تكن حملات والتر المفلس وبطرس الناسك هي الحملات الشعبية الوحيدة، بل خرجت حملات أخرى من غرب أوربا مثل: حملة فولكمار Volkmar، وحملة جوتشوك Gottschock، وحملة إميخ Emich [2] ؛ وكان شعار كل هذه الحملات الإفساد في الأرض، وقد قامت حملة إميخ بقتل اثني عشر يهوديًّا في مدينة سبير Spier في وادي الراين، ثم أتبعوهم بقتل خمسمائة يهودي في