وفي هذه الأثناء كان بطرس الناسك قد جمع أعدادًا غفيرة من الفلاحين البؤساء رجالًا ونساءً وأطفالًا، وانضم لهم جمع كبير من الأفَّاقين والمجرمين وبنات الهوى [1] ، وكان تجمعهم في حوض نهر الراين بألمانيا، ثم غادروا الأراضي الألمانية في (489هـ) 20 من إبريل 1096م، ولم يكن في هذه الجموع إلا عدد قليل من الفرسان يتقدمهم بطرس الناسك على حماره الأعرج [2] .
وكما كانت رحلة والتر المفلس إجرامية إرهابية، كانت أيضًا رحلة بطرس الناسك؛ إذ إنها بمجرد دخولها للأراضي المجرية حتى بدأت تفسد في الأرض، وبشكل أكبر وأوسع؛ لأن أعدادهم كانت أكبر، وطبيعتهم كانت أفسد، وظهرت بوضوح في هذه الرحلة النوايا الخبيثة لبطرس الناسك الذي لم يكن يتورع عن إزهاق الأرواح النصرانية وسلب الأموال والممتلكات، مع أنه كان يطلق على جيشه جيش الرب!
وتفاقمت المأساة وبلغت ذروتها عند مدينة سملين Semlin المجرية، حيث هجم بطرس الناسك ومن معه على المدينة النصرانية، فأحدثوا فيها مجزرة بشعة كان ضحيتها أربعة آلاف نصراني جملة واحدة [3] !!
وانتبه الملك المجري كولومان للمصيبة، ولم يكن يتوقعها من أناس يرفعون الصليب شعارًا لهم [4] ، فجمع قوته وهاجمهم، فتفرقوا في الغابات المجرية، وقتل منهم البعض، وفر الباقون إلى الأراضي البيزنطية المجاورة ليستكملوا مسيرة الإفساد في الأرض.
وفي الأراضي البيزنطية تجمعت قوتهم من جديد، ورصدتهم عيون المخابرات البيزنطية، وتركتهم عمدًا يتحركون صوب القسطنطينية؛ وذلك للالتقاء مع جموع والتر المفلس. غير أن هذا الهدوء من الدولة البيزنطية أغرى الجموع المفسدة بمواصلة السلب والنهب، فتكررت مأساة سملين في مدينة نيش البيزنطية، حيث قتل بطرس الناسك ومن معه أعدادًا كبيرة من النصارى الأرثوذكس وأحرقوا الديار بأهلها، وهنا لم تعبر الجيوش البيزنطية، بل هجمت على جموع بطرس الناسك، وقتلت منهم عددًا كبيرًا، كما استولت على الأموال والتبرعات التي جمعها بطرس الناسك قبل ذلك من الغرب الأوربي، ومع ذلك فلم يشأ الجيش البيزنطي أن يفني الجموع المفسدة؛ لأنه كان يريد توجيههم لحرب المسلمين.