فالظن يبدأ غالبًا كخاطرة؛ فهو يحصل في خاطر الإنسان اضطرارًا عن غير اختيار [1] .
وقد قال ابن القيم -رحمه الله- (واعلم أن ورود الخواطر لا يضر، وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته، فالخاطر كالمار على الطريق، فإن لم تستدعه وتركته مر وانصرف عنك، وإن استدعيته سحرك بحديثه، وخدعه، وغره، وهو أخف شيء على النفس الفارغة الباطلة، وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة) [2] .
وحيث كان الأمر كذلك، لزم مراعاة الخواطر، وعدم تركها كما تشاء تلهو بعقل المرء وقلبه، فيحكم بها على مالا سند له ولا استدلال عليه.
الأمر الرابع: (صون الأذن عن استماع الغمز)
ولا شك أن استماع الغمز واللمز، مما يورث مساوئ الظنون، وما من جارحة هي أشد ضررًا على العبد بعد لسانه من سمعه.
وقد صدق القائل:
فإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه [3]
وقد قال ابن حجر [4] -رحمه الله-ضمن ما ذكره من فوائد حادثة الإفك: (وفيه ذم الغيبة، وذم سماعها، وزجر من يتعاطاها لاسيما إن تضمنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه) [5] .
الأمر الخامس: (الاشتغال بعلاج عيوب النفس والالتفات إليها دون عيوب الآخرين)
فالالتفات إلى عيوب الآخرين وتفصيلها بلا داع، أو مبرر، أنما هو هوى دافع لإساءة الظنون.
وقد قال ابن القيم -رحمه الله-: (من عرف نفسه اشتغل بإصلاحها عن عيوب الناس، ومن عرف ربه اشتغل به عن هوى نفسه) [6] .
(1) تفسير التحرير والتنوير 260/ 251.
(2) الجواب الكافي: 138.
(3) أدب الدنيا والدين: 274.
(4) ابن حجر: هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي، محدث مؤرخ أديب شاعر ولد عام 773 وتوفي 852 زادت تصانيفه التي معظمها في الحديث والتريخ والأدب والفقه على مائة وخمسين مصنفا منها: فتح الباري، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (تذكرة الحفاظ 5/ 326)
(5) فتح الباري: 8/ 482.
(6) الفوائد: 104.