الله عليه وسلم على الخروج إلى أحد بعد أن عزم أمره، ليس رفضا لرأي الأكثرين من أصحابه، بل هو إلزام لهم برأيهم الذي ارتأوه، وصيانة لقوة المسلمين وهيبتهم في نفوس أعدائهم، في وقت يوحي فيه التردد بالضعف والتخاذل، وهو أمر لا يحتمل في الحرب.
وكل من الحالتين متضمن في قوله تعالى:"فإذا عزمت فتوكل على الله"فقد وردت الآية بصيغة المتكلم:"فإذا عزمتُ"بضم التاء وإسناد العزم إلى الله تعالى (62) وهو ما يقضي بعدم اعتبار آراء الناس إذا ورد وحي يحسم الأمر. كما وردت بصيغة المخاطب:"فإذا عزمتَ"بفتح التاء، وهو ما يقضي بأن أمر الجماعة إذا استقر على خيار بعينه، فلا مجال للتراجع، لأن كل تراجع في هذه الحالة - خصوصا في أوقات الحرب- سيكون تخاذلا وضعفا في لحظة الحزم والحسم، وذلك هو"العزم والتبين"الوارد في كلام البخاري الآتي. وقد امتثل صلى الله عليه لمعنى الآية - على القراءتين - الآية يوم الحديبية ويوم أحد.
وقد أحسن الإمام البخاري حين بوب في صحيحه لفقه هذه المسألة، فقال:"باب قول الله تعالى:"وأمرهم شورى بينهم"و"شاورهم في الأمر" وأن المشاورة قبل العزم والتبين، لقوله"فإذا عزمت فتوكل على الله". فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله. وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج فلما لبس لأمته وعزم قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: "لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله". وشاور عليا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله. وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تابعه بعدُ عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه" (63) .
وللشيخ عبد السلام ياسين رأي طريف في لزوم الأخذ برأي الأغلبية في المشاورة، فهو يرى أن الأغلبية الملزمة للحاكم هي الثلثان، لا أقل من ذلك. ودليله حديث ابن غنم الأشعري"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما" (64) فأبو بكر وعمر - في تحليله - يمثلان أغلبية الثلثين، إذا كانا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
والذي نفهمه من مجمل النصوص التي اطلعنا عليها في هذا الشان أن الشورى في بناء السلطة واجبة ابتداء ملزمة انتهاء، كما بينا من قبل، وأن المشاورة فيها تفصيل:
· فهي واجبة ونتيجتها ملزمة في الأمور العظيمة التي لا تدخل في اختصاصات الحاكم، نظرا لخطورتها وتأثيرها على مجمل الأمة، كإعلان الحرب، وإبرام الصلح، وما إلى ذلك ..
· وهي واجبة ونتيجتها غير ملزمة في الأمور التي تدخل في صلاحيات الحاكم كتعيين رجال الدولة التابعين له وعزلهم. فبيعة الأمة له تقضي له بحق التصرف في هذه الأمور، والأمة تراقب وتصحح.
· وهي غير واجبة ونتيجتها غير ملزمة في الأمور الشخصية التي يتحمل الفرد مسؤوليتها ونتيجتها، ولكنها مستحبة تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا يتبين أن الشورى والمشاورة في الإسلام عملية سياسية وترويض ذهني ومنهاج تربوي، وليست مجرد إجراء شكلي لتطييب الخواطر، رغم أن ذلك من ضمن فوائدها.
لقد عانت أمة الإسلام خلال تاريخها الطويل الكثير من الشقاق والاقتتال ناتج عن عدم الاحتكام إلى سنة نبينا صلى الله عليه وسنة خلفائه الراشدين في الشورى والمشاورة والعدل في الحكم والقسْم. ولن تخرج الأمة من أزمتها التاريخية هذه حتى تعود إلى ربها، وتسترشد بهدي نبيها صلى الله عليه وسلم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
1 -سورة النساء، الآية 165