القرآن الكيرم هل يشمل الرجال والنساء أم لا .. لكن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي قدم قرينة على خروج هذه الآية من الخلاف، طبقا لمنهجه في"إيضاح القرآن بالقرآن"حين بين أن الأمر بالاستغفار الوارد في آية المشاورة يشمل الرجال والنساء، بصريح قوله تعالى:"فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات" (40) . وشمول أحد الأوامر الواردة في آية المشاورة يقضي بشمول الأوامر الأخرى لهن بدلالة الاقتران والتعاطف. ونفس الشيء ينطبق على آية الشورى: فإذا كان النساء داخلات بلا خلاف في تلك الصفات التي امتدح بها الخالق سبحانه عباده المؤمنين من الاستجابة لله، وإقام الصلاة، والانفاق في سبيل الله، فتلك قرينة قوية على دخولهن في الصفة الرابعة وهي الشورى:"وأمرهم شورى بينهم".
وبالنظر في السنة السياسية، نجد ما يدعم عموم المشاورة للنساء والرجال على حد السواء. فإذا كان العلماء اختلفوا في شمول جمع المذكر للنساء، فإنهم لم يختلفوا في دخولهن تحت مدلول لفظ"الناس"وهو أكثر ما استعمل في أحاديث المشاورة:"أشيروا علي أيها الناس""فاستشار الناس".. الخ وفي تصحيح أم المؤمنين أم سلمة لجاريتها دليل طريف على ذلك، فعن أم سلمة:"... سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس، فقلت للجارية: استأخري عني، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت:"إني من الناس"" (41) .
وقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم زوجه أم سلمة يوم الحديبية، ووجد فيما أشارت به تداركا للموقف وإنقاذا للمسلمين من الهلكة. وذلك حين"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال [الراوي] : فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا ..." (42) .
وسواء كان ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل المشاورة - كما نفهم من السياق - أو لمجرد الإعلام، فإن أخذه بمشورتها فيه دلالة كافية على دخول المرأة المسلمة في عموم المشاورة، وقيمة خبرتها ورأيها في الشأن العام.
كثيرا ما دار الجدل حول إلزامية الشورى وإعلاميتها، بمعنى هل يجب الالتزام بمقتضى رأي أغلب الناس في المسألة المتناولة أم لا. لكن هذا الجدل غالبا ما انطلق من خلط بين الشورى ذات الصلة ببناء السلطة، والمشاورة ذات الصلة بأدائها، فأدى إلى تشويش وبلبلة.
وبالانطلاق من هذا التمييز المنهجي تتضح الصورة أكثر:
فالشورى ذات الصلة ببناء السلطة لا بد أن تكون ملزمة، وإلا فقدت مدلولها الشرعي وثمرتها المصلحية. وكل نصوص السنة في الموضوع تدل على وجوبها ابتداء وإلزاميتها انتهاء، بل تتوعد الخارج على جماعة المسلمين بعد أن يستقر رأيهم على اختيار قائد يرضونه لدينهم ودنياهم، ومن يفتات عليهم في أمر اختيار قادتهم.
وأول ما يسترعي الانتباه هنا هو حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يترك لأمته حق اختيار قادتها، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لو كنت مستخلفا أحدا دون مشورة لاستخلفت عليهم ابن أم عبد"" (43) . وفي روايات أخرى:"لو كنت مستخلفا أحدا دون مشورة لاستخلفت ابن أم عبد" (44) "لو كنت مستخلفا أحدا على أمتي دون مشورة لاستخلفت عليهم عبد الله بن مسعود" (45) "لو كنت مؤمرا على أمتي أحدا دون مشورة منهم لأمرت عليهم ابن أم عبد" (46) وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه."
وقد جهِد النبي صلى الله عليه وسلم واجتهد لأمته نصحا، لكنه لم يلزمها باختيار شخص بعينه قائدا لها من بعده. لذلك حين"قيل يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمرا تجدوه قويا أمينا لا يخاف بالله لومة لائم، وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم إلى الطريق المستقيم" (47) .
أما ربط بناء السلطة بالشورى فقد قال فيه عمر رضي الله عنه:"من بايع رجلا دون مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا" (48) "ألا من بايع رجلا دون مشورة من المسلمين فإنه لا يبايع لا هو ولا من بويع له تغرة أن يقتلا" (49) "ألا وإنه بلغني أن فلانا قال لو قد مات عمر بايعت فلانا، فمن بايع امرأ دون مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له ولا للذي بايعه"