الصفحة 2 من 10

إنما هي تضليل للخلق وافتراء على الخالق سبحانه.

· وأما الاعتبار اللغوي الذي نستند إليه في التمييز بين الشورى والمشاورة، فهو الصيغة الصرفية والإيقاع الصوتي: أما صرفيا فالأصل في الفعل على وزن"فاعَلَ"أن يكون مصدره القياسي على وزن"فِعال"مثل"قاتل قتالا"أو على وزن"مُفاعلة"مثل"شاور مشاورة". وبذلك نحمل آية آل عمران"وشاورهم في الأمر"على المشاورة، لا على الشورى. وأما الإيقاع الصوتي فرغم الاشتراك في الجذر اللغوي فإن لفظ الشورى يوحي بمعنى الانفتاح والتداول غير المحدود، فناسب عملية بناء السلطة التي يشترك فيها الكل مع الكل. أما لفظ المشاورة فهو يوحي بالثنائية والتداول الحصري، فناسب مشاورة السلطة لعموم الناس، أو لبعضهم حول صناعة القرار السياسي. وليس استعمالنا للإيقاع الصوتي هنا مجرد انطباع، فالإيقاع الصوتي لألفاظ القرآن الكريم له شأن أحيانا في مدلولاتها، كما بينه كل من الباقلاني والزمخشري، وقد كتب الشهيد سيد قطب دراسة تطبيقية لذلك هي كتابه"التصوير الفني في القرآن"، فقدم نظرات ثاقبة في هذا السبيل.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشاورة، حتى روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله:"ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم" (13) .

ومن مشاورات رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه - تمثيلا لا حصرا - ما يلي:

· مشاورته الأنصار في قتال قريش يوم بدر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر، استشار المسلمين فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه، ثم استشارهم فأشار عليه عمر رضي الله عنه، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: إذن لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى:"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون"، والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك" (14) . وفي رواية:"فاستشار المسلمين، فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه فسكت، ثم استشار فأشار عليه عمر رضي الله عنه فسكت، فقال رجل من الأنصار إنما يريدكم" (15) وفي روايات أخرى:"فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه .." (16) "فقال قائل الأنصار: تستشيرنا يا نبي الله .." (17) "فجعل يستشير صلى الله عليه وسلم، فقالت الأنصار: والله ما يريد غيرنا .." (18) .

· مشاورته في أسرى بدر، هل ينبغي قتلهم أم قبول الفداء منهم:"قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ ..." (19) وفي رواية:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر وعلي: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ ..." (20) ومثلها:"... فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر رضي الله عنهم" (21) وفي رواية أخرى بصيغة أعم:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟" (22) أو"ما ترون في هؤلاء الأسارى؟" (23) دون قصر ذلك على أبي بكر وعمر وعلي، بل وردت الاستشارة عامة لجميع الحضور من الصحابة. ورواية الطبراني أصرح في ذلك إذ ورد فيها:"لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسارى استشار فيهم الناس .."بل فيها:"فجمع أصحابه فقال لهم أشيروا علي فيهم" (24) .

· مشاورته الناس في الخروج إلى قريش لقتالها عند جبل"أُحد"، أو انتظارها في المدينة، واعتماد خطة دفاعية لصدها."وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم بالمدينة يقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا: تخرج بنا يا رسول الله إليهم فنقاتلهم بأحد، ونرجو أن نصيب من الفضيلة ما أصاب أهل بدر. فما زالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لبس أداته فلما لبسها ندموا وقالوا: يا رسول الله أقم فالرأي رأيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ..." (25) و"عن جابر بن عبد الله قال ثم استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم أحد فقال: ... فلو قاتلتموهم في السكك، فرماهم النساء من فوق الحيطان، قالوا: فيدخلون علينا المدينة؟ ما دخلت علينا قط، ولكن نخرج إليهم، قال: فشأنكم إذن. قال [الراوي] : ثم قدموا قالوا رددنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله رأيَك. فقال: ما كان لنبي أن يلبس لأمته ثم يخلعها حتى يقاتل .." (26) .

· مشاورته قادة الأنصار في التنازل لقبيلة غطفان عن نصف تمر المدينة على أن تنسحب غطفان من جيش الأحزاب الذي يحاصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت