ظاهرًا وباطنًا عن المخلوقات، والانقطاع عن العلائق، والتخلص عن المواثق، ومهما (1) ذكر المعصية جدد التوبة وكرر الأوبة؛ لأنه من حصول الذنب على معرفة، ومن الخروج عن عقوبته على شك وشبهة. ويكون بين الخوف والرجاء في كل حاله (2) ، فلا ييأس، من رحمته وكرمه، ولا يأمن مِن سخطه بسبب حلمه، إذ لا يجوز للمرء أن يغتر بعلمه ولا بعمله، بل يعتمد على جود ربه وفضله.
قال ابن جماعة: ويغلط كثير من الناس فيحجون بيت الله طالبين لرحمته، بما قد يكون جالبًا لنقمته، فيصرون على ارتكاب السيئات، ويبالغون في التباهي بالمحرمات، والتزين بالمكروهات، حتى ألبسوا الجمال الحرير والذهب، ونحو هذا من المنكرات، وما هكذا أمر الله أن يحج بيته الكريم، {فليحذر الَّذِينَ يُخَالفُونَ عَن أَمرهِ أن تُصِيبهُم فْتنة أو يُصِيبهُم عذابٌ أليم} (3) .
ولقد خرج بعض الصالحين في عصرنا من مصرنا إلى الحج مع القافلة، فلما وصل إلى البِركة: (4) وهي المرحلة، رجع لما/ رأى من [199 ب]
(1) مهما: معناها هنا (كلما) ، ويستعملها الفقهاء كذلك كثيرًا.
(2) ويكون بين الخوف والرجاء ..: هذه حكمة بليغة لا ينبغي أن تغيب عن ذهن مسلم أبدًا.
(3) سورة النور: الآية 63.
(4) البِركة: لعلها بركة الحبش، وهي أرض في وهدة من الأرض واسعة، طولها نحو ميل مشرفة على نيل مصر، خلف القرافة، تزرع فتكون نزهة خضراء من أجلّ متنزهات مصر، قال فيها الشاعر:
لله يومي ببركة الحبش / والأفق بين الضيا والغبش