الفصل الأول
نشأة المدرسة المالكية العراقية
انتشر المذهب المالكي في الآفاق شرقًا وغربًا، واتخذه الناس مذهبًا في دينهم في كثير من الأقطار الإسلامية.
ساعدت كثير من العوامل في هذا الانتشار، منها:
العامل الأول: مميزات شخصية صاحب المذهب الإمام مالك -رحمه الله- ويمكن إبرازها من جهتين:
الجهة الأولى: ما عرف عنه من تمسكه بالسنة، ومحاربة البدعة، وتشبّثه التامّ بآثار الصحابة والتابعين، والتزامه الصارم بالكتاب والسنة والقياس الواضح، إضافة إلى استقامته وجديته، وحسن سيرته [1] .
الجهة الثانية: جمعه بين الإمامة في الفقه، والإمامة في الحديث. يقول عبد الرحمن ابن مهدي"الثور إمام في الحديث، وليس بإمام في السنة. والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث. ومالك إمام فيهما معًا" [2] .
العامل الثاني: الموطن الذي خرج منه المذهب المالكي، وهو المدينة النبوية، التي هاجر إليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واستقر بها بقية عمره، ونزل بها الوحي الرباني. وكانت مقام كثير من الصحابة وأولادهم من التابعين فمن بعدهم. فكانت بهذا أهم مدينة إسلامية، تغري طلبة العلم للوفود إليها والنهل من علم علمائها.
العامل الثالث: صحة الأصول التي اعتمد عليها الإمام مالك في الاحتجاج للمسائل الفقهية. وهي الكتاب والسنة والإجماع. بالإضافة إلى عمل أهل المدينة الذي تفرد بالاحتجاج به عن بقية الأئمة. يقول ابن تيمية"من تدبر أصول الإسلام، وقواعد الشريعة، وجد أصول مالك، وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد" [3] .
(1) محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي الدكتور المرحوم عمر الجيدي (ص 29) .
(2) ترتيب المدارك (1/ 153) .
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية (20/ 328) .