لتحقيق هدف واحد، ونصرة اتجاه محدد معين، ومواجهة الأفكار والآراء، والمدارس المخالفة، بالدرس والتعليل والتحليل أحيانًا، وبالمناظرة أحيانًا أخرى.
والمدرسة بمفهومها هذا تكون منبثقة عن قاعدة أمّ ومشتقة عنها إلا أنها تختلف معها في بعض القضايا، فلا بأس أن تخالفها في بعض الفروع دون الأصول، وأن تجدد منهجها المتبع من واقعها المعيش وثقافة وحضارة بيئتها بجميع معطياتها.
وإذا تأملْنا هذين التعريفين اللغويّ والاصطلاحي، فبناءً على الأول وهو التعريف اللغويّ نجد من علماء المدرسة العراقية في فترة النشأة من عكف على فهم وقراءة وحفظ بعض الكتب سواءً في المذهب أو خارجه، مثل أبي بكر الأبهري الذي كان على اطّلاع واسع بالمذاهب الأخرى وخاصة منها المذهب الشافعي والحنفي، ناهيك عن المذهب المالكي، مما أكسبه مكانة علمية راقية بين علماء عصره، وفي هذا يقول القاضي أبو العلاء الواسطي:"كان أبو بكر الأبهري معظمًا عند سائر علماء وقته لا يشهد محضرًا إلا كان هو المقدّم فيه، وإذا جلس قاضي القضاة أبو الحسن بن أم شيبان أقعده عن يمينه، والخلق كلهم من القضاة والشهود والفقهاء وغيرهم دونه" [1] .
كما أن علماء هذه المرحلة لم يكتفوا بقراءة كتب المخالفين وفهمها فحسب، بل تصدوْا للردّ عليها ومناقشتها، مثل ما قام به القاضي إسماعيل في كتاب"الرد على محمد بن الحسن" [2] وكتبه في الرد على الشافعي وأبي حنيفة خاصة؛ وكذا الأبهري في كتاب"الرد على المزني" [3] وابن القصار في كتابه"الحجة لمذهب مالك"قال عنه القاضي عبد الوهاب:"تذاكرْت مع أبي حامد الإسفرائيني الشافعي في أهل العلم وجرى ذكر أبي الحسن بن القصار وكتابه في (الحجة لمذهب مالك) فقال لي: ما ترك صاحبكم لقائل ما يقول" [4] .
ومنهم من أسهر ليله، لفهم وشرح بعض الكتب، وإضفاء صفة التوضيح والبيان عليها، كالأبهري في شرحه"للمختصر الصغير والكبير"لابن عبد الحكم [5] . والقاضي عبد الوهاب في شرحه"لرسالة"ابن أبي زيد القيرواني و"الممهد في شرح مختصر ابن أبي زيد للمدونة" [6] .
(1) "تاريخ بغداد"الخطيب البغدادي (5/ 463) . ترتيب المدارك (2/ 125) .
(2) "ترتيب المدارك": (1/ 471) .
(3) "ترتيب المدارك": (2/ 127) .
(4) "ترتيب المدارك": (2/ 214) .
(5) "ترتيب المدارك": (2/ 125) .
(6) "ترتيب المدارك": (2/ 273) .