فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 555

ولذلك لما كان اليونانيون يقدسون العقل إلى حد التأليه، حاولوا التعرف إلى خالق الكون، وقاسوه على خلقه، وصار الإله الخالق مُثْلَةً في يد الإله الأول عندهم وهو العقل، وتبعهم على ذلك المعتزلة، الذين لم ينزهوا الله ولم يدفعوا عنه التشبيه ولم يروموا ذلك إلا على أسس عقلية مستنبطة مستقاة من الفكر اليوناني المتألِّه للعقل، يقول الشيخ محمد قطب:"كانت العقلانية الإغريقية لونًا من عبادة العقل وتأليهه، وإعطائه حجمًا مزيفًا أكبر بكثير من حقيقته، كما كانت في الوقت نفسه لونًا من تحويل الوجود كله إلى (قضايا) تجريدية مهما يكن من صفائها وتبلورها فيه بلا شك شئ مختلف عن الوجود ذاته، وكان أشد ما يبدو فيه هذا الانحراف معالجة تلك الفلسفة (لقضية) الألوهية و (قضية) الكون المادي وما بينهما من علاقة. ويتشعب هذا الانحراف شعبًا كثيرة في وقت واحد، فأول انحراف هو محاولة إقحام العقل فيما ليس من شأنه أن يلم به فضلًا عن أن يحيط بكنهه في قضية الذات الإلهية. فمن باب احترام العقل لذاته ومعرفته لطبيعته وحدود مقدرته، ما كان لهذا العقل أن يقتحم ميدانا ليس بطبيعته مؤهلًا لاقتحامه، ولا قدرة له على الخوض فيه" (1) .

ولذلك خرج فكر المعتزلة متحررًا عن النصوص، يضرب يمنة ويسرة في أمور عقلية عندهم يظنونها مسلمات، وهي في الحقيقة _ إن كانت مصادمة للوحي _ لا تعدوا أن تكون على منوال ما حصل من تفضيل إبليس لخلقه على خلق آدم (2) .

(1) مذاهب فكرية معاصرة للشيخ محمد قطب، ص: (501 - 502) .

(2) ولابن القيم _ رحمه الله _ كلام جميل في هذا الموضوع، انظر: بدائع الفوائد: 4/ 949.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت