: (( ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) أي: لا يعلمون عظمة الله وقدرته فيخافون منه )) [1] ، وفي تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية: (( لا يعلمون قدر عظمة الله جل ذكره، وما عليهم من الضرر في إشراكهم مع الله غيره ) ) [2] ، وفي تفسير البحر المحيط: (( وَمَنْ يَعْشُ، بِضَمِّ الشِّينِ، أَيْ يَتَعَامَ وَيَتَجَاهَلْ عَنْ ذِكْرِهِ، وَهُوَ يَعْرِفُ الْحَقَّ ) ) [3] ، فالمقصود بعدم العلم في بعض آيات القرآن أي تجاهل الأمر كأنه لا يعلم فأصبح بمنزلة من لا يعلم: (( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [4] ، (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [5] .
ـ ومن تعبيرات القرآن عن الجهل: (( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) ) [6] ، (( قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) ) [7] ، (( وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ) ) [8] ، (( قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ) ) [9] .
8ـ التغابي كأنه لا يفهم ولا يفقه (كأن المتكلم يتكلم بلغة أخرى غير اللغة العربية فلا يفهم معانيها) :
ـ التغابي معناه أنه لا يعطي انتباهه للأمر لأنه لا يبالي به ولا يهتم به، فهو يعقل الأمر ويفهمه لكنه يتجاهله كأنه لا يعقله ولا يفهمه:
ـ لقد كان فريق من اليهود يخالفون التوراة ويحرفونها رغم علمهم التام بها وفهمهم التام لها لكنهم لا يريدون الخضوع للدين فتجاهلوا وتناسوا ما يعلمونه ويوقنون به نظريا أن التوراة حق، فهم يفهمون ولكنهم يتغابون، ففي تفسير ابن كثير: (( {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} أي: يتأولونه على غير تأويله {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي: فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله؟ ) ) [10] ، وفي تفسير السمعاني: (( يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه) أي: فهموه (وهم يعلمون) أنه الحق )) [11] .
ـ فاليهود يفهمون معاني الكلام في التوراة وبالتالي يوقنون بالتوراة ولكن نظريا لأنهم يفهمون التوراة ولا يتفهمونها، فهم يتغابون كأنهم لا يفهمون، فعطلوا عقولهم وأصبحوا كالحمير، ففي التفسير المنير: (((مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا) أي إن شبه اليهود الذين تركوا العمل بالتوراة، بعد أن كلّفوا القيام بها والعمل بما فيها، فلم يعملوا بموجبها، ولا أطاعوا ما أمروا به فيها، كشبه الحمار الذي يحمل الكتب الكبيرة على ظهره، وهو لا يدري الفرق بين الكتاب والزبل، لأنه لا فهم له، واليهود وإن كان لهم عقول وأفهام، فإنهم لم ينتفعوا بها فيما ينفعهم وفي إدراك الحقائق، لأنهم حفظوا اللفظ ولم يتفهموه، ولا عملوا بمقتضاه بل أوّلوه وحرفوه وبدّلوه، فهم أسوأ حالا من الحمير، لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، لذا وصفهم تعالى بقوله: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الأعراف 7/ 179] )) [12] .
9ـ عدم المبالاة (التغابي) :
ـ ففي أضواء البيان: (( وَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} فَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: {مَاذَا قَالَ آنِفًا} يَدُلُّ عَلَى أنهم مَا كَانُوا يُبَالُونَ بِمَا يَتْلُو عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْآيَاتِ وَالْهُدَى ) ) [13] ، وفي تفسير الخازن: (( قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ} يعني ومن هؤلاء الكفار {مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} وهم المنافقون يستمعون قولك فلا يعونه ولا يفهمونه
(1) تفسير السمعاني دار الوطن، الرياض - السعودية (5/ 405)
(2) الهداية إلى بلوغ النهاية ـ الناشر: مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة (8/ 5455)
(3) البحر المحيط في التفسير ـ دار الفكر - بيروت (9/ 372)
(4) الروم: 59
(5) لقمان: 25
(6) الأنعام: 111
(7) الأعراف: 138
(8) هود: 29
(9) الزمر: 64
(10) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة (1/ 307)
(11) تفسير السمعاني دار الوطن، الرياض - السعودية (1/ 98)
(12) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (28/ 190)
(13) أضواء البيان دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع ـ بيروت (7/ 189)