ـ والزروع تراها أمام عينك بذور ميتة تتحول إلى أشجار حية تتنفس وتكبر ثم تموت، فإذا لم يؤثر كل هذا في الإنسان فيشعر بالرهبة من أمر البعث وخطورته ويشعر بالخضوع والاستسلام لله، فهذا معناه أن الإيمان بالبعث هو إيمان نظري فقط وليس إيمانا حقيقيا.
ـ فلو أن إنسان وضع في يده حفنة من التراب ثم قال لك انظر إلى هذا التراب فلما نظرت إليه وجدته يتحول إلى برتقالة!، إنك تقول إن هذا الإنسان ساحر، إن هذا الأمر يحدث بالفعل ولكن الساحر هنا ليس إنسان ولكنه بذرة البرتقال حيث تستطيع بذرة شجرة البرتقال أن تستخدم تراب الأرض وتحوله إلى برتقال!، وهكذا كل النباتات والزروع، وفي الحقيقة فإن بذرة البرتقال ليس لديها القدرة على عمل ذلك ولكن هناك قوة خارجية خفية هي التي تمكن بذرة البرتقال من هذا العمل.
ـ فالبذرة هي جماد تحول إلى كائن حي (نبات) : (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) ) [1] .
ـ إذا لم يتحير ذهن الإنسان من مدى قدرة الله على إحياء الأموات ويشعر بالرهبة من البعث ويتأثر همه بهذا الحدث المنتظر القريب الهائل حينما يقوم من موته ويقوم معه كل الناس فهذا معناه أنه يقول بمشاعره وهمومه: (لا يستطيع أحد أن يعيد الإنسان بعد أن أصبح ترابا إلى الحياة وما الجنة والنار إلا أساطير) .
ـ كل الناس يحبون الشهوات ويحبون النظر إلى العورات، ولكن هناك من يحبون شهوات الدنيا ويحبون النظر إلى نساء الطين، فهؤلاء لا عقل لهم لأن ذلك ليس إلا لعب ولهو لأن متع الدنيا ضئيلة وفانية، وهناك من يحبون شهوات الجنة ويتصورون في عقولهم الحور العين وجمالهن ويشتاقون لها ويعدون المهر الذي يصلون به إلى الحور العين بالإيمان والتقوى، وهؤلاء هم العقلاء.
ـ شهوات الجنة فوق مستوى الخيال وأعجب من السحر:
ـ كل ما يمكن أن تتخيله من المتع والشهوات من نساء فاتنة ساحرة وخمور وكل ألوان الطعام والشراب وكل ألوان المرح والترفيه فشهوات الجنة أكبر من ذلك، وكل شيء بمجرد أن تتمناه يتحقق لك كأنه سحر لكنه حقيقة، وكل هذا موجود الآن في الجنة: (( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ) ) [2] ، (( وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) ) [3] ، (( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) ) [4] ، (( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) ) [5] ، وفي الحديث القدسي: (( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} ) ) [6] .
ـ والساحر يسحر لك أشياء تدعو للدهشة والعجب فيحدث خوف من مهابة الأمر، أما شهوات الجنة فهي فوق مستوى الخيال وأعجب من السحر فضلا عن أنها حقيقة وليس سحرا، فلماذا لا يحدث خوف من مهابة الأمر؟، ولماذا يحدث الحب والرجاء لشهوات الدنيا ونساءها، في حين لا يحدث ذلك لشهوات الجنة التي هي أعظم بكثير، ذلك لأن اليقين الحقيقي بالجنة وما بها غير موجود مطلقا.
(1) العنكبوت: 63
(2) الزخرف: 71
(3) الأنبياء: 102
(4) فصلت: 31،32
(5) ق: 35
(6) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 346، برقم: 3197)