ـ وضع الله اختبار يبرهن به الإنسان على حقيقة يقينه، فجعل الإنسان لا يرى الله والغيبيات، وجعل النعم والشهوات التي في الإنسان والدنيا لها بريق خادع كبير جدا تجعل الإنسان يغتر بنفسه وبالدنيا، فالخطر تم حجبه كأنه غير موجود، والإنسان الضعيف والدنيا الزائلة تم تضخيم حجمهما بخداع وهمي، فإذا كان الإنسان عنده شعور حقيقي بقيمة الأشياء شعر بخطورة الغيبيات رغم أنه لا يراها وشعر بضعف نفسه وضآلة الدنيا رغم الخداع الوهمي الكبير، وهذا هو الاختبار، وهو اختبار صعب وثمنه الجنة.
ـ الدنيا دار اختبار وكل شيء موضوع فيها للاختبار، فالمال فتنة وشهوة النساء فتنة، وشهوة الطعام والشراب فتنة، والأولاد فتنة: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ) [1] ، (( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ) [2] ، بل إن كل شيء فتنة سواء كان خيرا أو شرا: (( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) ) [3] ، وفي الحديث: (( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ ) ) [4] ، وفي تفسير السراج المنير: (((وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) {لنفتنهم فيه} أي: لنفعل بهم فعل المختبر، ... وقال أبو الدرداء: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، وعن الحسن: لولا حمق الناس لخربت الدنيا، وعن عيسى ابن مريم عليه السلام: لا تتخذوا الدنيا دارًا، فتتخذكم لها عبيدًا )) [5] .
ـ والله أمرنا بالحلال من الشهوات والأعمال الدنيوية والصلة بالناس ليختبرنا هل ستشغلنا عن الله والآخرة أم لا؟، فالله جعل الإنسان في حاجة إلى المال والأولاد وأمور الحياة، وطالبه بالعمل للكسب وبتربية أولاده وطالبه بأمور تختص بصلته بالناس وأمور الدنيا، وفي نفس الوقت طالبه ألا يشغله كل ذلك عن ذكر الله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ) [6] .
ـ وهذا الاختبار الذي خلقنا من أجله هو اختبار صعب لأن المطلوب من الإنسان أن يسير عكس شهواته ورغباته فيجعل نفسه خاضعة لله، فالإنسان إما أن يخالف هواه ويتبع الشرع أو يخالف الشرع ويتبع الهوى، ومخالفة ما تهوى النفس وما تشتاق وما تحب أمر صعب جدا على النفس ولكنه برهان على عدم عبادة الإنسان لهواه وما ترغبه نفسه.
ـ قضية الخضوع:
ـ إذا كان في يدك مليون جنيه لكن هذا المال ليس ملكا لك فأنت فقير، كذلك النعم موجودة عندك لكنها ملك لله والله أذن لك أن تتمتع بها لفترة ثم يستردها منك، ووضع لك قيود في استخدام هذه النعم.
ـ الإنسان يتعامل مع النعم كأنها ملكا له لأن في ذلك قوة له ومتعة له ويشعر بأنه له الحق أن يتصرف في النعم كيف يشاء بلا قيود، وما يدفعه لذلك أن النعم عظيمة القيمة ورغبته فيها كبيرة جدا وهو محتاج لها.
ـ الذي أوجد الشيء ويملكه هو قوي له أن يتعالى بما يملك، والذي لم يصنع الشيء فلا يملكه هو ضعيف عليه أن يخضع لمالك الشيء.
ـ الإنسان يظن أنه هو الذي أوجد النعم التي يتنعم بها لنفسه، وأنها ملكا له، وبالتالي لا يريد الخضوع لمالك هذه النعم.
ـ فالتعامل الخاطئ مع النعم معناه أن الإنسان يتعجل في نظره إلى ظاهر النعم من غير أن يستعمل عقله في حقيقتها، فالنعم موجودة عنده ومسخرة له، ولكن هذا لا يعني أنه هو الذي سخرها وأوجدها لنفسه ولا يعني أنه هو الذي يملكها.
(1) الأنفال: 28
(2) الكهف: 7
(3) الأنبياء: 35
(4) التخريج: صحيح (مشكاة المصابيح ج: 2، برقم: 3086)
(5) السراج المنير ـ مطبعة بولاق (الأميرية) - القاهرة (ج: 2، ص: 492 ـ 493)
(6) المنافقون: 9