(ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة) وهذا في الحقيقة أم عظيم، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم خصائص هذه الأمة فإن الله - سبحانه وتعالى - قد قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فجعلها الله - سبحانه وتعالى - علامة الخيرية وكذلك أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم:"لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر قبل أن تدعوني -يعني في حديث قدسي فلا استجيب لكم، وتستغفروني فلا أغفر لكم"فأمره عظيم، لكن يطلب فيه أيها الإخوان ثلاثة شروط:
شرط قبله. ... وشرط معه. ... وشرط بعده.
-فالشرط الذي قبله هو: العلم.
-والشرط الذي معه هو: الرفق.
-والشرط الذي بعده هو: الصفح.
• قال رحمه الله: (ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرار كانوا أو فجار) نعم
هذا من طريقة أهل السنة والجماعة، وهو الاجتماع كما أسلفنا اجتماع الكلمة، والتعاون على البر والتقوى وعدم الخروج على الولاة، حتى ولو كانوا ولاة جور، وهذه سمة بارزة استقر عليها أهل السنة والجماعة وأثبتوها في متونهم العقدية، وقد كان من منهج بعض السلف المتقدمين الخروج على أئمة الجور، ووقع ذلك من القراء حينما خرجوا على حاكم ظالم غشوم وهو الحجاج بن يوسف الثقفي، فوقع فتنة ابن الأشعث وانضم إليه جمع من القراء وبعضهم أهل فضل، لكنه أباد خضرائهم، وقضى عليهم في واقعة دير الجماجم، وكانت طريقة الصحابة - رضي الله عنهم - تختلف عن طريقة القراء فالصحابة - رضي الله عنهم - يرون الصبر على ظلم الولاة، حتى إنه كما في صحيح البخاري قال الراوي: قال أتينا إلى أنس بن مالك - رضي الله عنه - نشكو إليه ما نجد من ظلم الحجاج."فقال - رضي الله عنه: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه، هكذا سمعته من نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، فكانت طريقة الصحابة - رضي الله عنهم - تصبير الناس على ظلم الولاة"أما طريقة القراء فهي الخروج على الولاة، بحيث تأخذهم الحمية والغيرة فيخرجون؛ فينشأ عن ذلك سفك الدماء، وإثارة الدهماء وحصول مفاسد أعظم من المصالح التي يرجونها، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"إنه لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الشر أعظم مما كانوا يرجونه من الخير"وهذا في الحقيقة فعلًا يدرك بالتتبع، ثم إن نبينا - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخروج عن الولاة إلا بشروط ثقال فلما أخبر أصحابه - رضي الله عنهم - كما في الصحيح:"إنه سيلي عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون فقالوا يا رسول الله: فبما تأمرنا؟ قال - صلى الله عليه وسلم: أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم، -وفي حديث آخر قال: أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: لا، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان"فلم يأذن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخروج إلا بأربعة شروط ثقال: