قيل حتى البهائم تجد ذلك، إذا أوذيت وضربت وغير ذلك، ترفع طرفها إلى السماء، وحتى ذكر ذلك بعض من شهد اجتماع الناس يوم عرفه، كان يقول: حتى البهائم كانت ترفع طرفها إلى السماء، والمقصود أن الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في الفِطَر النزوع إلى العلو عند مناجاة الرب - سبحانه وتعالى - وقد استدل بهذا الدليل الفطري: أبو جعفر الهمداني في مناظرته لأبي المعالي الجويني، أبو المعالي الجويني أحد أساطين الأشاعرة المتأخرين، وأحد كبار مُناظِريهم، ومتكلميهم، وقد ألف في العقائد كتبًا كثيرة على طريقة الأشاعرة، وإن كان في آخر عمره مال إلى التفويض، ولكنه كان في الشامل وغيره من كتبه يقرر عقيدة الأشاعرة، ويُلَقب بإمام الحرمين، وذلك لتبحره في العلوم، علوم الآلة والفقه، ولا شك أن له تبحر في ذلك وسعة اطلاع، وكان يُجعل له كرسي في المسجد الحرام، فكان يقرر يومًا ويقول: (كان الله ولا شيء) . - هذه جملة صحيحة؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - هو الأول فليس قبله شيء، ثم أردفها بقوله: (وهو الآن على ما كان عليه) . بما يُعَرض؟ يُعَرض بنفي الاستواء، يعني أنه لم يطرأ عليه شيء بعد أن كان على ما كان عليه، بناءًا على شبهتهم التي ذكرناها، من قولهم بنفي حلول الحوادث، للتوصل بها إلى نفي الصفات الفعلية، فتفطن لذلك أبو جعفر الهمدانى، وقال: دعنا من ذكر العلو والاستواء -فهو لم يصرح بها لكن أبو جعفر أدرك ذلك- وأخبرنا عن هذه الضرورة التي يجدها أحدنا في قلبه، ما قال عارفٌ قط يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة بطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، أرأيتم، استدل بدليل الفطرة. فجعل الجويني يلطم على رأسه ويقول: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني، فهذا في الحقيقة دليلٌ فطري. وإن كان السُبكي وغيره يُكذب هذه القصة وغير ذلك، لكن هب أن هذه القصة لم تقع ما الجواب عن هذا الإيراد؟ فعلًا ما قال عارف قط يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة بطلب العلو، لا يلتفت قلبه لا يمين، ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، ولا تحت، أين يذهب القلب؟ إلى العلو، لأنه مغروس في الفطر أن الله - سبحانه وتعالى - فوق سمواته مستوي على عرشه، بائن من خلقه ليس فيه شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء منه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
معذرة لم يفرغ الدرس لعدم وضوح الصوت في الشريط
المفرغ