وقام الإمام ابن القيم رحمه الله بعدما ذكر هذه الآيات: (وهذا كثير في القرآن يخبر أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة) [1] .
وقال الإمام الذهبي رحمه الله: (فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة عليه، والله لطيف رءوف بهم، قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقد كان سادة الصحابة بالحبشة ينزل الواجب والتحريم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يعذر بالجهل من لم يعلم حتى يسمع النص والله أعلم) [2] .
لكن قد يقول قائل: إن هذه الأدلة المستدل بها تنفي العذاب في الدنيا فقط؟ فيقال أولًا:(أنه خلاف ظاهر القرآن، لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقًا، فهو أعم من كونه في الدنيا، وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه.
الوجه الثاني: أن القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة، كقوله: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى} [3] وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل) [4] .
ويمكن أن يقال ثالثًا: إن هذه النصوص إذا نفت التعذيب الدنيوي فالأخروي من باب أولى والله أعلم.
إذًا لا تقوم الحجة إلا بإرسال الرسل وإنزال الكتب وبلوغ ذلك إلى المعين [5] ، أما كيفية قيامها، والفرق بين قيامها وفهمها، فسيأتي بحثه في مسألة العذر بالجهل.
(1) طريق الهجرتين 384، وانظر تفسير ابن كثير 3/ 28.
(2) الكبائر للذهبي 12، تحقيق محي الدين مستو.
(3) سورة الملك، آية: 7 - 9.
(4) أضواء البيان 3/ 434.
(5) وسيأتي بعض الإيضاح لذلك في الفصل القادم.