الصفحة 185 من 298

الماء المهين، ثم يكون قلبه أقسى من الحجارة ـ والعياذ بالله ـ إلا من ألان الله قلبه لدين الله، ثم بين أن هذا الماء الدافق:

[يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ] من بين صلب الرجل وترائبه أعلى صدره، وهذا يدل على عمق مخرج هذا الماء، وأنه يخرج من مكان مكين في الجسد.

وقال بعض العلماء: [يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ] أي صلب الرجل [وَالتَّرَآئِبِ] ترائب المرأة. ولكن هذا خلاف ظاهر اللفظ، والصواب أن الذي يخرج من بين الصلب والترائب هو ماء الرجل، لأن الله تعالى وصفه بذلك.

[إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ]

[إِنَّهُ] أي الله عز وجل. [عَلَى رَجْعِهِ] أي على رجع الإنسان [لَقَادِرٌ] وذلك يوم القيامة لقوله:

[يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ] فالذي قدر على أن يخلق الإنسان من هذا الماء الدافق المهين، قادر على أن يعيده يوم القيامة، وهذا من باب الاستدلال بالمحسوس على المنظور المترقب، وهو قياس عقلي، فإن الإنسان بعقله يقول إذا كان الله قادرًا على أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين ويحييه قادر على أن يعيده مرة

ثانية [وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ] (الروم: 27) .

ولهذا يستدل الله عز وجل بالمبدأ على المعاد لأنه قياس جلي واضح، ينتقل العقل من هذا إلى هذا بسرعة وبدون كلفة.

[يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ]

أي تختبر السرائر، وهي القلوب، وهذا كقوله: [أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ] (العاديات: 9، 10) .

فإن الحساب يوم القيامة على ما في القلوب، والحساب في الدنيا على ما في الجوارح، ولهذا عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - المنافقين معاملة المسلمين حيث كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت