الصفحة 186 من 298

يُستأذن في قتلهم فيقول: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» [1] ، فكان لا يقتلهم وهو يعلم أن فلانًا منافق، وفلانًا منافق، لكن العمل في الدنيا على الظاهر ويوم القيامة على الباطن.

ولهذا يجب علينا العناية بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، عمل الجوارح علامة ظاهرة، لكن عمل القلب هو الذي عليه المدار، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الخوارج يخاطب الصحابة يقول: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ» ـ يعني أنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة لكن قلوبهم خالية والعياذ بالله ـ «يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ» [2] .

قال الحسن البصري رحمه الله: (والله ما سبقهم أبو بكر بصلاة ولا صوم، وإنما سبقهم بما وقر في قلبه من الإيمان) [3] ، والإيمان إذا وقر في القلب حمل الإنسان على العمل، لكن العمل الظاهر قد لا يحمل الإنسان على إصلاح قلبه، فعلينا أن نعتني بقلوبنا وأعمالها، وعقائدها، واتجاهاتها، وإصلاحها وتخليصها من شوائب الشرك والبدع، والحقد والبغضاء، وكراهة ما أنزل الله على رسوله وكراهة الصحابة رضي الله عنهم، وغير ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه.

[فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ] يعني يوم القيامة، ما للإنسان من قوة ذاتية.

[وَلاَ نَاصِرٍ] وهي القوة الخارجية، هو بنفسه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا أحد يستطيع أن يدافع عنه، قال الله تعالى: [فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ] (المؤمنون: 101) . في الدنيا يتساءلون،

(1) أخرجه البخاري (بَاب قَوْلُهُ [سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ] ، رقم(4905) ، ومسلم (باب نَصْرِ الأَخِ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا) ، رقم (6748) .

(2) أخرجه البخاري (بَاب عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ) رقم (3610) ومسلم (باب ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ) رقم (2505) .

(3) لم أجد المقولة في شيء المراجع مرويًا عن الحسن البصري، ولكن رواه شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (منهاج السنة النبوية، ج 8، ص: 498) عن أبي بكر بن عياش، ولفظها: {ما سبقهم أبو بكر بصلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت