وهكذا اختلف الفلاسفة والمتكلمون فيما بينهم، بل وهكذا انحرفت الديانات، فما فسدت اليهودية والنصرانية إلا عندما تركت نصوص الوحي لعقول علمائهم وأقوالهم فاخترعوا الأقاويل ثم دعموها بالروايات الملفقة في معزل عن الوحي .
تأمل هذا الدليل العقلي الذي يقدمه أحد القسسة الإنجليز عن الثالوت يقول: المادة لها ثلاث حالات: صلبة وسائلة وغازية، والهواء: أوكسجين ونتروجين وهيدروجين ، والماء سائل وغاز وثلج ، والشمس: دفء ونور وحرارة ، والزمن: ماضي وحاضر ومستقبل، والإنسان روح وعقل وجسم ، والعائلة أب وأم وأولاد. وهكذا الحال بالنسبة إلى الله: الأب والابن وروح القدس.
لقد كان القس يقدم هذه (الأدلة العقلية) في مناظرة مع أحد علماء المسلمين أمام حشد كبير من الناس . ولا بد - والحالة هذه -أن عقله كان مقتنعا - ولو بعض الشيء - بمثل هذا الدليل العقلي
المتهافت [1] .
ومن له أدنى اطلاع على كتب الفلاسفة والمتكلمين الذين أرادوا ان يخضعوا العقيدة لآرائهم وعقولهم يدرك معنى ما أقول ، ويصيبه الذهول لهذا الاختلاف والتضارب بالحجج التي يسمونها (عقلية) دون طائل اذ أن كل حجة يمكن نقضها بمثلها، حتى ان بعضهم ألف في بيان (تكافؤ الأدلة العقلية) وأنها لا يمكن ان تؤدي إلى يقين لإمكان نقضها بمثلها .
وحتى إن واحدا منهم وهو ابن واصل الحموي الذي كان من أبرعهم في الفلسفة والكلام قال وهو يصور هذا المعنى: ( استلقى على قفاي وأضع الملحفة على نصف وجهي ثم اذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء ) . وقد انشد بعضهم في هذا:
حججٌ تَهافتُ كالزجاجِ تخالُها ... حقًا وكلٌ كاسرٌ مكسورُ
لا يصح استقلال ( العقل ) في أصول الاعتقاد
(1) القس هو (شروش) ، والعالم المسلم هو (أحمد ديدات) . والمناظرة مسجلة في شريط فديو .