لو كان (العقل) الذي ينسبون إليه ما يسمونه بالحجج العقلية شيئًا له كيان مستقل إذا طرحت عليه المسائل أجاب بجواب واحد عن كل مسألة ، وهذا الجواب معصوم من الخطأ لأمكن أن يكون مرجعًا عند النزاع في أصول الاعتقاد، كما هو حال القرآن في أجوبته عنها: اذ هو كتاب مستقل معروفة آياته لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، اتفق المسلمون جميعًا على قطعية ثبوتيته، ويمكن الرجوع إليه بسهولة ويسر لنجد الجواب القطعي في جميع أصول الدين ومسائله العظيمة . وليس الأمر كذلك بالنسبة لـ (العقل) .
فـ (العقل) المقصود حقيقته العملية ما يعقله كل عاقل. أي رأيه وما يصدقه ويستسيغه هو بعقله. وبما أن كل إنسان يمكن ان يعقل او يرى ما لا يعقله أو يراه الآخر فلا بد من ان تعدد الآراء وتتضارب (الحجج العقلية) إلا فيما اتفقت عليه عقول البشر كالبديهيات، او الأمور العلمية البحتة كالرياضيات، أو ما يدخل تحت التجربة والمشاهدة، وهذه أمور محسة وملموسة يمكن البرهنة عليها بالوسائل المعروفة، وقد اتفق العالم عليها .
وعلى هذا فإن ما تسمعه من قوله: العقل يحكم بكذا ويقتضي بكذا فهو تدليس ولعب بالألفاظ ! لأن العقل المطلق هنا ليس هو عقلًا واحدًا لا يخطئ يرجع إليه كل العقلاء، وإنما هو عقل المتكلم نفسه ، أي ما يراه هو بعقله ! فهو رأى من الآراء لا اكثر ، وقد يختلف فيه مع غيره من العقلاء فيرى غيره بعقله ويحكم بغير ما يراه هو ويحكم به، وهكذا.. !
اختلاف العقلاء فيما يعقلون
وهكذا تتبين العقول فيما بينها وتختلف في كثير من المسائل العقلية: فهذا يثبت عقله ويوجب ما ينفيه الآخر ويقول عقله باستحالته !علمًا أن الواجب والمستحيل ضدان لا يجتمعان. فماذا نفعل وكلاهما يحتج بالعقل والدليل العقلي ؟!