على أن من أجرى المجاز من المحققين قصَره على النصّ، وذلك بالرجوع إلى أهل اللغة المعتبرين، إذ إن المجازات واردة على خلاف الأصل الذي هو الحقيقة (1) [17] ).
وقد حاول الزمخشري (ت 538 هـ) أن يفرق بين الحقيقة والمجاز في الركوع والسجود، فقال رحمه الله: (( ومن المجاز لغبت(2) [18] ) الأبل حتى ركعت، وهن رواكع إذا طأطت رءوسها وكبت على وجوهها … وركع الرجل انحطت حاله وافتقر (3) [19] ))) وقال في مادة (سجد) : (( ومن المجاز شجر ساجد وسواجد وشجرة ساجدة: مائلة، والسفينة تسجد للرياح: تطيعها وتميل بميلها … وفلان ساجد المنخر إذا كان ذليلا خاضعا، وعين ساجدة: فاترة، وأسجَدت عينَها: غضَّتها … وسجد البعير وأسجد طأ من رأسه لراكبه(4) [20] )))، واعتبار ماسبق من المجاز غير الدقيق، حيث اعتبرته أكثر المصادر الأخرى حقيقة (5) [21] )، ولأنه كله يدل على الخضوع والانحناء، (( وإذا دار اللفظ بين احتمال المجاز واحتمال الحقيقة فاحتمال الحقيقة أرجح(6) [22] ))).
وقد استعمل الركوع والسجود في أساليب متعددة أصولها راجعة إلى ما أشرت إليه في المعاني اللغوية والشرعية، وهي:
أنه يقال للمصلي: راكع، ويقال له أيضا ساجد ( [23] ) .
ويقال للساجد راكع، وللراكع ساجد (7) [24] ).
وهذه الأساليب جميعها قد استعملت في القرآن الكريم على خلاف بين المفسرين في تأويلها، وللسياق والقرائن والدلائل اعتباراتها في ذلك، وإن كان أكثر هذا الاختلاف من قبيل التنوع لا التضاد.
وقعت ألفاظ الركوع والسجود في القرآن الكريم في تسعة وأربعين موضعا، وتنتظم موضوعاتها فيما يلي:
أولاـ سجود المخلوقات جميعها لله رب العالمين.
ثانيا- سجود الملائكة.
ثالثا- سجود النبيين عليهم الصلاة والسلام.
رابعا- الرُّكع السجود في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام.
خامسا- سجود أبوي يوسف وإخوته له.
سادسا- سجود السحرة من بني إسرائيل.