أجمع أهل التأويل على أن التسبيح في قوله تعالى: {وَسَبِّحْ} معناه: صلّ (1) [226] )، وقد سبق أن هذه السورة مكية، قال ابن كثير (ت 774 هـ) : (( وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتان: قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر وقيام الليل كان واجبا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى أمته حولا ثم نسخ في حق الأمة وجوبُه، ثم بعد ذلك نسخ الله ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات ) ) (2) [227] )، وفي الصحيحين: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: (( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون(3) [228] ) في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} (4) [229] ).
وقوله تعالى: {وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} : أي فصلّ له، ويجوز أن يكون ذلك صلاة الليل في أي وقت صلى، ومن العلماء من خصها بصلاة المغرب والعشاء، ومنهم من قصرها على العشاء (5) [230] )، والأولى العموم، وهو قول مجاهد (ت 104 هـ) ، واختيار ابن جرير الطبري (ت 310 هـ) ، لأنه لم يَحدّ وقتا من الليل دون الوقت (6) [231] )، وهو المناسب لوقت نزول السورة.
أما التسبيح أدبار السجود، فمن العلماء من أجرى التسبيح فيه على الصلاة، ومنهم من أبقاه على ظاهر معناه من أذكار التسبيح (7) [232] )، وبذلك يتضح معنى السجود في هذه الآية، وتنتظم أقوال العلماء فيها في أربعة أقوال، وهي:
القول الأول: مارواه البخاري (ت 256 هـ) في صحيحه عن ابن عباس (ت 68 هـ) رضي الله عنهما أنه قال: (( أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها يعني قوله: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} ) ) (8) [233] ).