والمملوك بأن يسمع أن مولانا -عز نصره- على ما يعهده من سعة صدره أسرُّ منه بما يسمعه من بشائر نصره، وياليتني كنت معهم، وماذا كانت تصنع الأيام إما شيبًا من مشاهدة الحروب، فقد شبنا والله من سماع الأخبار، أو غُرمًا يمكن خُلفه من الوفْر [1] فقد غرمنا في بعد مولانا ما لا خُلف له من العمر، أو مرض جسم فخيره ما كان الطبيب حاضره، ولقد مرضنا أشدَّ المرض لفراقه إلا أن التجلد ساتره"."
ومن كتاب آخر:
"قيل للمهلب [2] : أيسُرُّكَ ظفر ليس فيه تعب؟ فقال: أكره عادة العجز."
ولابد أن تنفذ مشيئة الله في خلقه، لا رادّ لحكمه فلا يتسخط مولانا بشيء من قدره، فلأن يجري القضاء وهو راض مأجور خير من أن يجري وهو ساخط موزور، من شكا بثه وحزنه إلى الله شكا إلى مشتكى واستغاث بقادر، ومن دعا ربه خفيًا استجاب له استجابة ظاهرة، فلتكن شكوى مولانا إلى الله خفية عنا، ولا يقطع الظهور التي لا تشتدّ إلا به، ولا يُضيق صدورًا لا تنفرج إلا منه، وما شرد الكرى [3] ، وأطال على الأفكار ليل السُّرى [4] إلا ضائقة القوت بعكا، ولم يبق إلا ضَعْفٌ نعم المعين عليه ترويح النفس وإعفاؤها من الفكر، فقد علم مولانا بالمباشرة أنه لا يُدَبَّرُ الدهر إلا برب الدهر، ولا ينفذ الأمر إلا بصاحب الأمر، وأنه لا يقلّ الهم إن كثر الفكر:
قد قلت للرجل المقسَّم أمرُه ... فوض إليه تنم قرير العين
وكل مقترح يجاب إليه إلا ثغرًا يصير نصرانيًا بعد أن أسلم، أو بلدًا يخرس فيه المنبر بعد أن تكلم، يا مولانا: هذه الليالي التي رابطت فيها والناس كارهون، وسهرت فيها
(1) - أي كثرة المال.
(2) - هو المهلب بن أبي صفرة القائد المعروف.
(3) - أي النعاس والنوم: وانظر"لسان العرب": كرا.
(4) - السُّرى: سير عامة الليل: وانظر"لسان العرب": سرى.