الصفحة 55 من 90

نفسك، وتسألهم الفريضة كأنك تكلفهم النافلة، وتعرض عليهم الجنة وكأنك تريد أن تستأثر بها دونهم.

والآراء تختلف بحضرتك، والمشورات تتنوع بمجلسك، فقائل: لم لا نتباعد عن المنزلة، وآخر: لم لا نميل إلى المصالحة، ومتندم على فائت ما كان فيه حظ، ومشير بمستقبل ما يلوح فيه رشد، ومشير بالتخلي عن عكا حتى كأن تركها تغليق المعاملة [1] ، وما كأنها طليعة الجيش ولا خَرَزة السلك إن وهت تداعى السلك، فألهمك الله قتل الكافر، وخلاف المخذّل، والتجلد وتحت قدمك الجمر، وأفرشك الطمأنينة وتحت جنبك الوعر:

ولكن مولانا صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور

قليل التشكي للمهم نصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك

لا شبهة أن المملوك قد أطال، ولكن قد اتسع المجال، وما مراده إلا أن يشكر الله على ما اختاره له ويسره عليه، وحببه إليه، فرب ممتحن بنعمة، ورب منعم عليه بمشقة، وكم مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من بلوى هي دواؤه، ويريد المملوك بهذا أن لا يتغير لمولانا -أبقاه الله- وجه عن بشاشة، ولا صدر عن سعة، ولا لسان عن حسنة، ولا تُرى منه ضجرة، ولا تُسمع منه نَهْرَة، فالشدة تذهب ويبقى ذكرها، والأزمة تنفرج ويبقى أجرها، وكما لم يُحدث استمرار النعم لمولانا -عز نصره- بطرًا فلا تُحدث له ساعات الامتحان ضجرًا، والمملوك يستحسن بيتي حاتم، ومولانا -أبقاه الله وخلد سلطانه وملكه- يحفظهما:

شربنا بكأس الفقر يومًا وبالغنى ... وما منهما إلا سقانا به الدهر

فما زادنا بغيًا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر

(1) - أي نهاية الجهاد مع الكفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت