الصفحة 5 من 5

تحذير مَن أساء فهم كلام الدكتور سفر

أما الأمر الثاني الذي أردت بيانه؛ فهو أن بعض المسلمين أساءوا فهمَ كلام الدكتور سفر:

فخلطوا بين التوحيد وبين دراسة التوحيد، وحملوا كلامه على أن دراسة التوحيد أفضل من الجهاد العيني، واتخذوا هذا الكلام حجةً للقعود عن الجهاد المتعين، باعتبار أن دراسة التوحيد أهم من الجهاد.

والردُّ على هذا سبقَ في المقدمة الثانية، ومنها يعلم أن التوحيدَ فرضُ عينٍ، أما دراسةُ التوحيد على التفصيل؛ فهو فرضُ كفايةٍ، ولذلك فإن هذه الدراسة لا يصح أن تقدّم على الجهاد - إذا كان فرضَ عينٍ - كما سبق في المقدمة السادسة.

وقد تكون دراسة بعض مسائل التوحيد والعقيدة؛ فرض عين في بعض الأحوال، كمن عرضت له شبهة في التوحيد والاعتقاد أو مَن تلبس ببدعة، فمثل هذا إذا تعين عليه الجهاد، وجب عليه الخروج للجهاد - كما سبق في مسألة الفئة المبتدعة - وإذا أمكنه تحصيل ما يلزمه لتصحيح توحيده مع الجهاد؛ فهذا هو الواجب - كما في حديث ذات الأنواط -

أما إذا تعارض الأمران تمامًا؛ فتؤخر دراسة التوحيد إلى حين الفراغ من الجهاد، كما سبق في المقدمة السادسة: (يُقدم ما يُخشى فواته على ما لا يُخشى فواته وإن كان أعلى منه مرتبة) .

عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه، قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة، يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، قال صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} ، لتركبن سَنَن مَن كان قبلكم) [رواه الترمذي، وصححه] .

ومما يناسب هذا المقام؛ أن نذكِّر الإخوةَ الأحباب بما قاله ابن القيم رحمه الله؛ إن الشيطان يريد أن يظفر بالعبد في عقبة من سبع عقبات، السادسة منها: (وهي عقبة الأعمال لمرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبًا وربحًا، لأنه عجزَ عن تخسيرِه أصلَ الثواب، طمعَ في تخسيرِه كمالَه وفضلَه ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له) [28] .

قلت: ويؤيد هذا الكلام قوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، لا يستون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون} .

وتفاضل الأعمال والطاعات؛ متفقٌ عليه عند أهل السنة، وقد وصف اللهُ تعالى مَن جعل التعبد في المسجد الحرام يعدلُ الجهادَ، وصفه اللهُ بالظلم، فإن الجهاد ذروةُ سنام الإسلام - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -

على أنه يجب الانتباه إلى ما ذكره ابن القيم من الراجح والمرجوح في الأعمال؛ إنما هذا في الاختيار، أي إذا كان العبد مخيرًا في القيام بأحد فروض الكفاية أو بنافلة من النوافل، فينبغي عليه أن يرجح، ويختار الأفضل، فيشتغل به، أما إذا كان الشيء واجبًا - فضلًا عن كونه فرضَ عينٍ - فلا مجال للاختيار هنا، كالجهاد العيني؛ لا مندوحة في تركه، فإن تاركه ليس تاركًا للأفضل، وإنما هو فاسقٌ مرتكبٌ لكبيرةٍ من الكبائر - كما سبق بيانه -

وقال ابن القيم رحمه الله:(وتكلم يحيي بن معاذ الرازي يومًا في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت له امرأة: هذا واجب قد وُضِع عنا، فقال: هبي أنه قد وضع عنكن سلاح اليد واللسان، فلم يوضع عنكن سلاح القلب، فقالت: صدقتَ، جزاك الله خيرًا.

وقد غَرَّ إبليسُ أكثرَ الخلق بأنْ حسَّنَ لهم القيامَ بنوعٍ من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطلوا هذه العبوديات، فلم يُحَدِّثوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاء عند ورثة الأنبياء مِنْ أقلِّ الناس دينًا، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به، فتاركُ حقوق الله التي تجب عليه، أسوأُ حالًا عند الله ورسوله من مرتكبِ المعاصي، فإن تركَ الأمر أعظمُ من ارتكاب النهي مِنْ أكثر مِنْ ثلاثين وجهًا - ذكرها شيخنا رحمه الله في بعض تصانيفه - ومَن له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أنَّ أكثرَ مَن يشارُ إليهم الدين، هم أقلُّ الناس دينًا، والله المستعان.

وأيُّ دينٍ، وأيُّ خيرٍ، فيمن يرى محارمَ الله تُنْتَهَكُ، وحدوده تُضَاع، ودينه يُتْرَك، وسنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرغَب عنها، وهو باردُ القلب، ساكتُ اللسان؟ شيطانٌ أخرس! كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بليّة الدين إلا مِن هؤلاء الذين إذا سَلِمَتْ لهم مأكلُهم ورياستُهم، فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارُهم المتحزن المتلمظ، ولو نُوزعَ في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله، بذل وتبذل وجد واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه.

وهؤلاء - مع سقوطِهم من عين الله، ومقتِ الله بهم - قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون، وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم، كان غضبه لله ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل.

وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرًا أن الله سبحانه أوحى إلى ملك من الملائكة: أنِ أخسفْ بقرية كذا ... وكذا ... فقال: يا ربِّ كيف وفيهم فلان العابد؟ فقال: به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه فيَّ يومًا قط) [29] .

فتدبر يا أخي المسلم الكلام السابق، وتبين موقعك منه، ولا يُلَبسَنَّ عليك الشيطانُ، فيشغلك عن القيام بالجهاد في سبيل الله تعالى بما دونه من الطاعات.

ولا تكن كالذين قال فيهم ابن القيم رحمه الله: (وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينًا، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به) .

-فإذا قال قائل: أنا مقرٌّ بوجوب الجهاد، وأنه فرض عين في بلاد المسلمين - خاصة تلك التي استولى عليها الكافرون أو تلك التي يحكمها حكام مرتدون - ولكنا عاجزون عن القيام بهذا الجهاد؟

والحقُّ؛ هو أن العجز ليس بحجة في القعودِ عن الجهاد، والانصرافِ عنه إلى غيره من الطاعات.

فالجهاد أنواع: جهاد بالنفس، وبالمال، وباللسان.

قال صلى الله عليه وسلم (جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم) [رواه أبو داود بإسناد صحيح] .

ومن قدر على شيء من هذا، فقد وجب عليه القيام به، قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ، ومَن عجز عن القيام بالجهاد في الحال، فقد وجب عليه الإعداد له.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز) [30] .

وما قاله مستفاد من قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يُعجزون * وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} .

وأودُّ أن أذكر إخواني المسلمين:

بأن هذا الإعداد الواجب للجهاد هو علامة من علامات صدق الإيمان والبراءة من النفاق، فإن حال المنافقين في هذا المقام هو كما ذكره المولى جل وعلا: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} ، فليحذرِ امرؤٌ لنفسه.

وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

والحمد لله رب العالمين

وصلِّ اللهم على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلِّم

كتبه

عبد القادر بن عبد العزيز

في جمادى الآخرة/1410 هـ

[28] مدراج السالكين: 1/ 225.

[29] إعلام الموقعين: 2/ 157 - 158.

[30] مجموع الفتاوى: 28/ 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت