وأقدم لكلامي بسبع مقدمات عليها ينبني البيان:
-المقدمة الأولى؛ التوحيد أول واجب:
قال شارح العقيدة الطحاوية: (أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله) [1] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى نحو أهل اليمن، قال له: إنك تقدم على قومٍ من أهل الكتاب، فليكن أولَ ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات ... الحديث) [رواه البخاري] .
وفي رواية: (فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... الحديث) [متفق عليه] .
فدل الحديث على أن التوحيد - والمعبر عنه بالإقرار بالشهادتين - هو أول واجب، وأن الخطاب بالفروض والشرائع - على وجه التعبد - لا يكون إلا بعد الإقرار بالإيمان والتوحيد [2] .
وقال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} ، فلا يكون الخطاب بالشرائع إلا بعد الإيمان.
-المقدمة الثانية؛ الإيمان منه ما هو فرض عين، وما هو فرض كفاية:
التوحيد هو أول أركان الإيمان الستة، والإيمان منه ما هو فرض عين - وهو الإيمان المجمل ومنه ما هو فرض كفاية - وهو الإيمان المفصل الذي هو ثمرة العلم.
قال ابن تيمية رحمه الله: (لا ريب أنه يجب على كل أحد يؤمن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إيمانًا عامًا مجملًا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرضٌ على الكفاية) [3] .
وذكر هذه العبارة بتمامها شارح العقيدة الطحاوية [4] .
وقال ابن حجر رحمه الله: (قال الغزالي: أسرفت طائفةٌ، فكفروا عوام المسلمين، وزعموا أن مَن لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها، فهو كافر، فضيقوا رحمة الله الواسعة، وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة من المتكلمين، وذكر نحوه أبو المظفر بن السمعاني، وأطال في الرد على قائله، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لا يجوز أن تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها، لأن في ذلك من المشقة في تعلم الفروع الفقهية) [5] .
وقال ابن حجر - أيضًا: (وقال بعضهم: المطلوب من كل أحد التصديق الجزمي الذي لا ريب معه بوجود الله تعالى، والإيمان برسله وبما جاءوا به كيفما حصل وبأي طريق إليه يوصل، ولو كان عن تقليد محض إذا سلم من التزلزل، قال القرطبي: هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومَن قبلهم من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام مَن أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين، والتزام أحكام الإسلام من غير إلزام بتعلم الأدلة) [6] .
-المقدمة الثالثة؛ التوحيد غاية والجهاد من وسائل تحقيقها:
قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} .
وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... الحديث) [متفق عليه] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له ... الحديث) [رواه أحمد، وصححه الألباني] .
وكما ترى فإن حرف"حتى"تكرر في النصوص الثلاثة السابقة، و"حتى"تفيد الغاية، أي ما بعدها غاية لما قبلها [7] ، وهذا يوضح أن التوحيد هو غاية الجهاد، وأن الجهاد وسيلة لتحقيق التوحيد.
وبهذا يُعلم أن الجهاد ليس مقصودًا لذاته، وإنما لتحقيق التوحيد، ومما يبين هذا غاية البيان؛ أن الله تعالى افترض التوحيد على جميع الأنبياء وجميع الأمم، كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، ولكن الله سبحانه لم يفرض الجهاد - في صورة قتال المؤمنين للكافرين - على جميع الأنبياء - عليهم السلام وإنما بدأ فرض الجهاد من عهد موسى عليه السلام، ذكر هذا القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين} [8] ، وذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} [9] .
-المقدمة الرابعة؛ الجهادُ يتعيَّنُ في مواضع، وتاركُ الجهاد العيني مرتكبٌ لكبيرةٍ، فاسقٌ:
المواضع التي يصير فيها الجهادُ فرضَ عينٍ؛ ثلاثة، وهي:
أ) إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان، لقوله تعالى: {إذا لقيتم الذين كفروًا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومَن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} ، ولقوله تعالى: {إذا لقيتم فئة فاثبتوا} .
ب) إذا نزل العدو ببلد تعيَّن على أهله قتالهم ودفعهم، وأدلة الوجوب هي نفس الآيات السابقة، لأنها ملاقاة الذين كفروا، وملاقاة لفئة زحفت إلى المسلمين، وهذا الموضع هو الذي وصفه الدكتور عبد الله عزام رحمه الله بـ"الدفاع عن أراضي المسلمين".
ج) إذا استنفر الإمام قومًا، لزمهم النفير معه، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلي الأرض ... } ، إلى قوله تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليما} .
وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا استنفرتم فانفروا) [متفق عليه] .
هذه هي مواضع الجهاد العيني - كما ذكرها ابن قدامة [10] - وقد رأيت أن المتخلف عن الجهاد العيني مُتوعَّد بالغضب من الله تعالى وبالعذاب، كما قال تعالى: {فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم} ، وقال تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا} .
ولما كان من علامات الكبائر أن يَرِدَ فيها وعيدٌ في الآخرة، فيكون المتخلفُ عن الجهاد العيني مرتكبًا لكبيرة لكونه متوعدًا بالعذاب، ومرتكبُ الكبيرة؛ فاسقٌ، والفاسقُ ساقطُ العدالة - سواء في ذلك عدالة الرواية أو عدالة الشهادة -
-المقدمة الخامسة؛ شروط وجوب الجهاد:
شروط وجوب الجهاد الكفائي؛ تسعة، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والسلامة من الضرر، والحرية, ووجود النفقة، وإذن الوالدين، وإذن الدائن [11] .
فإذا تعيَّن الجهادُ؛ فالشروطُ خمسة، وهي الأُول من التسعة المذكورة أعلاه.
خلافًا لمن أسقط شرط الذكورية، وقال؛ تخرج المرأة بغير إذن زوجها، وهم كثير من الفقهاء رحمهم الله، وقد فصلت هذه المسألة في كتابي"العمدة في إعداد العدة"، وذكرتُ أن الجهاد تعيَّن كثيرًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرالنساء بالخروج.
ففي غزوة تبوك كان النفير عامًا - وهو الموضع الثالث لتعين الجهاد كما في المقدمة السابقة - واستخلف النبي صلى الله عليه وسلم عليًا على المدينة، فقال عليٌّ رضي الله عنه: (أتخلفني في النساء والصبيان) [رواه البخاري] .
فلم تخرج النساء رغم النفير العام ورغم دخولهم في عموم الخطاب بقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا} ، فدلَّ على أنهن لسْنَ من أهل النفير.
وأيضًا غزوة الخندق حلَّ العدو بالمدينة - وهو الموضع الثاني لتعين الجهاد كما سبق - ولم تخرج النساء للجهاد، ولم يؤمرْنَ، فدلَّ هذا على أن الجهاد لا يجب عليهن - سواء في ذلك فرض العين أو فرض الكفاية -
ويبقى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (جهادكن الحج) على عمومه، غير مخصص [والحديث صحيح، رواه أحمد عن عائشة رضي الله عنها] .
ومع ذلك فالمرأة لها أن تتطوع بالخروج في الغزو بإذن الأمير [12] ، ولها أن تقاتل عن نفسها إذا خلص العدو إلي البيوت، وهو من باب دفع الصائل.
المقصد من ذكر الشروط السابقة بيان أمرين:
الأول: أن العلمَ ليس من شروط وجوب الجهاد، فالجهاد واجبٌ على العالم والجاهل، وبمعني آخر؛ لا يجوز لأحدٍ التخلف عن الجهاد العيني - وقد ذكرنا مواضعه - بحجة الاشتغال بطلب العلم العيني أو الكفائي - كما في المقدمة السادسة -
الثاني: أن العدالة ليست من شروط وجوب الجهاد، فالجهاد واجب على الصالح والفاجر.
قال الشوكاني رحمه الله: (قال في"البحر": وتجوز الاستعانة بالمنافق إجماعًا لاستعانته صلى الله عليه وسلم بابنِ أُبَيّ وأصحابه، وتجوز الإستعانة بالفساق على الكفار إجماعًا) [13] .
وقال في"المجموع": (قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن: الجهاد واجب مع الفساق كوجوبه مع العدول، وسائر الآية الموجبة لفرض الجهاد لم يفرق بين فعله مع الفساق ومع العدول الصالحين، وأيضًا فإن الفساق إذا جاهدوا, فهم مطيعون في ذلك) [14] .
والمسألة متفق عليها في اعتقاد أهل السنة والجماعة [15] .
وسبب تكليف غيرِ العدل والفاسقِ بالجهاد أو من معه مطلق الإيمان الموجب لتكليفه بالشرائع وإن لم يكن معه الإيمان المطلق - أي الكامل - فالفاسق بما معه من الإيمان الناقص داخل في عموم الخطاب بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا} ، ونحوها من الآيات.
ومع ذلك؛ فإن الأمير له أن يمنع الفاجر والفاسق من الخروج في الغزو إذا كانت مضرته أكبر من منفعته - كما ذكره ابن قدامة رحمه الله [16] -
-المقدمة السادسة؛ إذا تعارضت الواجبات أو الحقوق, قُدِّم المُضَيَّق منها على المُوَسَّع:
قال القَرافي المالكي: (- إنَّ هذا - مبني على معرفة قاعدة في الترجيحات، وضابط ما قدمه الله تعالى على غيره من المطلوبات، وهي أنه إذا تعارضت الحقوق، قدم منها المضيق على الموسع، لأن التضييق يُشعِر بكثرة اهتمام صاحب الشرع بما جعله مضيقًا، وأنه ما جوز له تأخيره، وجعله موسعًا عليه دونَ دليل، ويقدم الفوري على المتراخي, لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما جعل له تأخيره، ويقدم فرض الأعيان على الكفاية، لأن طلب الفعل من جميع المكلفين يقتضي أرجحية ما طلب من البعض فقط، ولأن فرض الكفاية يتعمد عدم تكرر المصلحة بتكرر الفعل، والفعل الذي تتكرر مصلحتُه في جميع صوره، أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره، ولذلك يُقدم ما يُخشى فواته على ما لا يُخشى فواته، إن كان أعلى منه رتبه) [17] .
-المقدمة السابعة؛ التقديم لا يعني التفضيل بالضرورة:
التقديم مُشعر بالتفضيل, ولكن لا يقتضيه بالضرورة.
ومثالُ ذلك أن الجهاد بالمال قُدم على الجهاد بالنفس في جميع الآيات التي جمعت بينهما باستثناء آية واحدة، وهي قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} ، فتقديم المال على النفس في معظم الآيات ليس لفضله على النفس، بل النفس مقدمة عليه في الضرورات الخمس، ولكن لأن الجهاد بالنفس لا يتأتى في أحوال كثيرة إلا ببذل المال، ولذلك فإن وجود النفقة من شروط وجوب الجهاد كما قدمنا، وفقدان النفقة يسقط وجوب الجهاد - على تفصيل - كما قال تعالى: {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج} ، فتقديم المال في معظم الآيات ليس لفضله، بل لكونه من مقدمات الجهاد بالنفس.
وقد أشار إلى هذا العلامة الشنقيطي رحمه الله في"أضواء البيان" [18] ، وفصلت هذا في كتابي"العمدة في إعداد العدة".
بعد هذه المقدمات السبع أذكر ما أردته من هذا التعقيب، وهو - كما أسلفت - أمران:
1)دفع تهمة الغلو عن الشيخ عبد الله رحمه الله.
2)وتحذير مَن أساء فهم كلام الدكتور سفر حفظه الله.
[1] شرح العقيدة الطحاوية: ط 1403 هـ، ص 75.
[2] انظر مسألة خطاب الكفار بالشرائع في"شرح التلويح علي التوضيح في الأصول": 1/ 213.
[3] مجموع الفتاوى: 3/ 312.
[4] شرح العقيدة الطحاوية: ط المكتب الإسلامي 1403 هـ، ص 66.
[5] فتح الباري: 13/ 349.
[6] فتح الباري: 13/ 352 - 353.
[7] شرح التلويح: 1/ 112.
[8] تفسير القرطبي: 8/ 268.
[9] تفسير ابن كثير: 3/ 390.
[10] المغني والشرح الكبير: 10/ 365.
[11] المغني والشرح الكبير: 10/ 366 و 371 - 383.
[12] المغني والشرح الكبير: 10/ 391.
[13] نيل الأوطار: 8.
[14] المجموع شرح المهذب: 19/ 279.
[15] انظر شرح العقيدة الطحاوية: ط 1403 هـ، ص 437.
[16] المغني والشرح الكبير: 10/ 372.
[17] الفروق للقَرافي، ط دار المعرفة: 2/ 203.