الصفحة 4 من 5

-الأمر الأول؛ وهو دفع تهمة الغلو عن الشيخ عبد الله رحمه الله، وبيان أن ما قاله له وجه معتبر:

فأقول مستعينًا بالله تعالى:

لا شكَّ أن الغلو تهمة.

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) [رواه أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه ابن خزيمة] .

وإذا كان الغلو تهمة، فقد وجب التحري تمهيدًا لدفعها.

وبدايةً أقول: لا خلاف في أن التوحيدَ أولُ واجب - كما في المقدمة الأولى - وأن الجهاد شرع لتحقيق التوحيد - كما في المقدمة الثالثة -

وأما ما أخذه الدكتور سفر على الدكتور عبد الله، حيث وصف الدفاع عن أراضي المسلمين بأنه أهم فروض الأعيان، فنقول: إن هذا القول سائغ، وتوجيهه كما يلي:

-الوجه الأول:

إذا قلنا إن كلمة"أهم فروض الأعيان"تعني التفضيل، فينبغي ألا ندخل التوحيد في مقام المفاضلة مع الجهاد أو غيره من العبادات، لأن الخطاب بالفروض لا يكون إلا بعد التوحيد - كما في حديث معاذ رضي الله عنه المذكور في المقدمة الأولى - بل لا تصح الفروض إلا بالتوحيد، قال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} ، وبذلك يخرج التوحيد من مقام المفاضلة مع الفرائض، وتبقى المفاضلة بين الفرائض بعضها البعض.

وهذا توجيه حسن لولا أنه يشكل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم - في شعب الإيمان - (فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله) [رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه] .

فحديث معاذ؛ أفرد التوحيد عن الفروض في مقام الدعوة والتشريع، وحديث أبي هريرة؛ أدخل التوحيد مع الفروض والمندوبات في مقام العرض والتفضيل، وبذلك نصير إلي الوجه الثاني.

-الوجه الثاني:

أن كلمة"أهم فروض الأعيان"تعني التقديم المتعلق بحالة معينة، ولا يراد منها التفضيل - وقد سبق في المقدمة السابعة؛ أن التقديم لا يعني التفضيل بالضرورة - وهذا هو الوجه الصحيح الذي تشهد له اللغة، يقال: (هَمَّ بالأمر يهم: إذا عزم عليه) [19] ، ويقال: (هم بالشيء، أراده) [20] و (الهمُّ أول العزيمة) [21] .

والمادة كما ترى متعلقة بالعمل والشروع فيه، فإذا وجبت عدةُ أعمال في وقت واحد، وكان الوقت لا يحتمل إلا أداء أحدها، فإن العمل الذي يؤدى يسمى أهمّها، لأنه هو الذي قدمته على غيره في الشروع، فالأهمية تعنى التقديم في الشروع، لا التفضيل.

والجهاد العيني إذا تعارض مع فروض العين الأخرى؛ قُدم عليها، فيقدم الجهاد العيني على إتمام الصلاة عند التعارض، قال تعالى: {فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا} ، وتصير الصلاة عند الخوف الشديد ركعة واحدة، وتجوز لغير القبلة، وبالإيماء، مع أن الصلاة أفضل من الجهاد بلا خلاف، فهي من الأركان الخمسة، وليس الجهاد كذلك، وهي فرضُ عينٍ دائمًا، وليس الجهاد كذلك.

وبهذا يتبين لك معنى قول القرافي: (ويُقدم ما يُخشى فواته على ما لا يُخشى فواته، وإن كان أعلى منه مرتبة) [22] - وقد سبق هذا في المقدمة السادسة بالتفصيل -

فإذا قلنا: إن الجهاد العيني أهم من إتمام الصلاة، فمعناه أنه يقدّم على إتمام الصلاة، ويكون القول صحيحًا، ويقدم الجهاد العيني على إذن الوالدين، وهو فرض عين عند التعارض ... وهكذا.

-وهنا نسأل سؤالًا: حلَّ العدوُّ الكافرُ ببلد مسلم - أي صار الجهاد فرض عين على أهل هذا البلد - وبالبلد فئة مبتدعة، ويلزمهم التعلم لإزالة البدعة، وتصحيح العقيدة - وهذا فرض عين - ولا يمكن التعلم إلا بالسفر من هذه البلدة، مما يعني ترك الجهاد العيني، فأيهما أهم في حق هذه الفئة؛ الجهاد، أم تصحيح العقيدة، وكلاهما فرضُ عينٍ قد تعارضا؟ وقد قلنا: معني"أهم"أي أولى بالتقديم.

فمن أجاب بأن تصحيحَ العقيدة أهمُّ، فمعنى كلامه أن المبتدع لا يجاهد حتى يصحح عقيدته!

وهذا الكلام ينطوي على محظورين:

المحظور الأول؛ مخالفة إجماعين:

الإجماع الأول: هو أن الجهاد فرض عين في هذه الحالة - كما في المقدمة الرابعة -

والإجماع الثاني: هو أن العدالة ليست من شروط وجوب الجهاد، وأن الجهاد واجب على الفاسق والمبتدع طالما كان كل منهما مطلق الإيمان الذي يوجب خطابه بالتكاليف الشرعية - كما في المقدمة الخامسة -

المحظور الثاني؛ أن قائل هذا الجواب، قد أوقع المتخلف عن هذا الجهاد العيني في كبيرةٍ من الكبائر - كما في المقدمة الرابعة - وحكم عليه بالفسق، مع أنه في بدعته قد يكون جاهلًا معذورًا.

وأما إذا أجاب؛ بأن الجهاد العيني أهم في هذه الحالة، فنقول: هذا هو الصواب - كما في قاعدة تعارض الواجبات المذكورة في المقدمة السادسة - ونكون بهذا قد اتفقنا مع الشيخ عبد الله رحمه الله في الدفاع عن أراضى المسلمين أهم فروض الأعيان، أي يقدم على غيره عند التعارض.

والأمر كما ترى يسير، ولا يستدعي وصف الشيخ رحمه الله بالغلو، فإن كلامه هو من باب اختلاف الفتوى باختلاف حال السائل والسامع والزمان والمكان، وهذا أصلٌ معتبر في الفتوى، حيث ينبه المفتى السامع على أهمِّ ما يلزمه في زمان معين أو مكان معين.

ومن أمثلة ذلك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم) [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب] .

وإهراق الدم المقصود به؛ الأضحية، وهي سنة مؤكدة، لم ترتقِ إلى مرتبة الواجب، ورغم ذلك وصفت بأنها أحب عمل إلى الله في ذلك اليوم، ولاشك أن التوحيد والإيمان أحب منها، فهل نعترض على هذا الحديث أو نشكك فيه لأنه وصف الأضحية بأنها أحب شيء إلى الله، وهذا يتعارض مع القول بأن التوحيد والإيمان أحب؟ أم نقول: إن هناك تعارضًا، وإنه لا يستدعى التشكيك في الحديث، طالما يمكن الجمع بين المتعارضين؟

والقول الأخير هو الصواب، وهو أنه يمكن الجمع، فنقول: الأفضلية المطلقة لكل زمان ومكان؛ هي التوحيد، والأفضلية المقيدة بزمان معين كيوم النحر؛ هي الأضحية، باعتبارها من خصائص هذا اليوم، وإن الإشارة لفضلها هي من باب التنبيه.

ومن ذلك أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الإسلام أفضل؟ قال: (من سلم المسلمون من لسانه ويده) [رواه البخاري] .

وسئل صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) [رواه البخاري الحديثان 11 و 12] .

ولا شكَّ أن أفضل الإسلام هو التوحيد والشهادتان، وكذلك بقية أركان الإسلام أفضل من إطعام الطعام، ولكن التفضيل ورد بحسب حال السائل أو الوقت - كما قاله ابن حجر رحمه الله -

وكذلك قول الشيخ عبد الله رحمه الله، لو افترضنا أنه محمول على التفضيل، فكيف وهو محمول على التقديم بدلالة المعنى اللغوي لكلمة"هَمَّ"ومشتقاتها؟

وفي شرح الحديثين السابقين: (أي الإسلام أفضل؟) و (أي الإسلام خير؟) ، قال ابن حجر: (وعلى تقدير اتحاد السؤالين جواب مشهور: وهو الحمل على اختلاف حال السائلين أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب الأول: تحذير مَن خشي منه الإيذاء بيد أو لسان إلى الكف، وفى الثاني: ترغيب مَن رجي فيه النفع العام بالفعل والقول، فأرشد إلى ذلك، وخصَّ هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت لِمَا كانوا فيه من الجهد لمصلحة التأليف) [23] .

ومن ذلك أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء) [رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح عن أبى الدرداء رضي الله عنه] .

فهل نقول: إن هذا الحديث يتعارض مع القول بأن التوحيد أفضل وأثقل بدلالة حديث البطاقة؟ أم نجمع بين الحديثين، ونقول: إن أفعل التفضيل - أثقل - في حديث حسن الخلق وردت لتنبيه السامعين، ولا يراد بها الأفضلية المطلقة؟

ولا شكَّ أن القول الأخير هو الصواب، فالحديثان صحيحان، والجمع بينهما واجب.

قال ابن تيمية رحمه الله: (وذلك لأن أهمَّ أمر الدين: الصلاةُ، والجهادُ ... ) ، إلى أن قال: (قوله: ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن، قال: يا معاذ إن أهمَّ أمرك عندي الصلاةُ، وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله، إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حافظ عليها وحفظها، حفظ دينه، ومن ضيعها، كان لما سواها من عمله أشد إضاعة) [24] اهـ.

وهذه الآثار التي ذكرها ابن تيمية رحمه الله - إن صحت - فهي نص في موضع النزاع، وتدل على أنه يجوز استعمال لفظ"أهم"في غير التوحيد من واجبات الدين، فقد وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستعملها ابن تيمية رحمه الله في غير التوحيد.

وعلى هذا يُحْمل قول الشيخ عبد الله رحمه الله: (أهم فروض الأعيان) ، أي أنه الفرض المقدَّم على غيره في حالة معينة وهي إذا نزل العدو بعقر دار المسلمين، وأنه من باب تنبيه السامع والقارئ، وهذا توجيه سائغ، ضربت له الأمثلة فيما سبق، وليس فيه غلو - كما قال الدكتور سفر حفظه الله - وطالما كان القول يمكن توجيهه، وحمله على محمل حسن سائغ في الشريعة، فهذا هو الواجب إحساناَ للظن بالمسلمين، خاصة أهل العلم منهم.

وقال الدكتور سفر: (ما هي القضية قضية أرض، ما هي دفاع عن أرض) !

هذا الكلام فيه تقليل من قيمة الأرض، وقد سبق في المقدمة الرابعة؛ أن الدفاع عن أراضي المسلمين فرض عين إجماعًا إذا نزل العدو ببلد، ومن واجبات الإمام المسلم؛ حمايةُ البيضة، والذَّبُّ عن الحوزة [25] ، وبيضةُ القوم؛ ساحتُهم [26] .

وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته: (وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) [رواه مسلم عن ثوبان] .

وقال ابن الأثير: (بيضتُهم؛ أي مجتمعُهم، وموضعُ سلطانهم، ومستقر دعوتهم) [27] .

وقد وعد الله سبحانه أنبياءه وعباده الصالحين بالاستخلاف في الأرض، قال تعالى: {ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} ، وقال جلَّ شأنه {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} ، وقد امتن الله تعالى على الصحابة رضي الله عنهم بقوله: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} .

ونحن - كمسلمين - متعبدون بالتمكين في الأرض، لا بمجرد الدعوة، قال تعالى: {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} ، وقال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ، وهذا لا يتم إلا بذهاب سلطان الكافرين ودولتهم، وعلو سلطان المسلمين وإقامة دولتهم في الأرض، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام دولة الإسلام في المدينة، ومنها امتدت الفتوحات في أنحاء الأرض.

[19] النهاية لابن الأثير: 5/ 274.

[20] مختار الصحاح: 699.

[21] المعجم الوسيط: 2/ 995.

[22] الفروق: 2/ 203.

[23] فتح الباري: 1/ 56.

[24] مجموع الفتاوى: 28/ 261.

[25] الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 27، وللماوردي: 16.

[26] مختار الصحاح: 71.

[27] النهاية: 1/ 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت