ولهذا قال النووي (ت 676 هـ) : (وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّالِثُ، فَهُوَ الْقَهْرُ وَالِاسْتِيلَاءُ، فَإِذَا مَاتَ الْإِمَامُ، فَتَصَدَّى لِلْإِمَامَةِ مَنْ جَمَعَ شَرَائِطَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافٍ وَلَا بَيْعَةٍ، وَقَهَرَ النَّاسَ بِشَوْكَتِهِ وَجُنُودِهِ، انْعَقَدَتْ خِلَافَتُهُ لِيَنْتَظِمَ شَمْلُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَامِعًا لِلشَّرَائِطِ بِأَنْ كَانَ فَاسِقًا، أَوْ جَاهِلًا، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: انْعِقَادُهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا بِفِعْلِهِ.) [1] .
وقال القرطبي المالكي في تفسيره: (فَإِنْ تَغَلَّبَ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْإِمَامَةِ وَأَخَذَهَا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ فَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ طَرِيقًا) [2] .
وقد ظلت هذه الطريقة محل خلاف قديم بين الفقهاء ... ،إلا أن ما كان محل نظر وخلاف أصبح بعد ذلك محل إجماع واتفاق، فأصبح هذا الطريق طريقا سائغا لعقد الإمامة؟!
وهكذا أصبح الواقع يفرض مفاهيمه على الفقه والفقهاء، وصارت الضرورة، والمصلحة العامة تقتضي تسويغ مثل هذه الطرق، دون إدراك خطورتها مستقبلا، وأن الاستبداد والاستيلاء على حق الأمة بالقوة - وإن كان قد يحقق مصلحة آنية - إلا أنه يفضي إلى ضعف الأمة مستقبلا، وتدمير قوتها وتمزيق وحدتها، كما هو شأن الاستبداد في جميع الأعصار والأمصار، وأن ما يخشى من افتراق المسلمين بالشورى، خير من وحدتهم بالاستبداد على المدى البعيد، وهذا ما تحقق اليوم؟!
لقد أدرك الصحابة أن اغتصاب الإمامة أو توريثها ليس من سنن النبي ولا الخلفاء الراشدين، بل هو من البدع في الدين، والانحراف عن سنة سيد المرسلين، وعن سنة أبي بكر وعمر إلى سنة هرقل وقيصر.
وأدركوا أن دخول الخلل في موضوع الإمامة سيفضي إلى دخول الخلل في جميع شئون الحياة؛ إذ بفسادها يفسد المجتمع، وبصلاحها يصلح المجتمع.
ولهذا تصدوا - - رضي الله عنهم - م - لهذا الانحراف، وأعلنوا رفضهم له في أكبر حركة احتجاجية في تاريخهم، حيث خرج الحسين بأهل العراق، وابن الزبير بأهل مكة، وابن الغسيل في أهل المدينة، وكانت دعوتهم إلى (الشورى والرضا) ، ولم يكن حدث آنذاك أي انحراف عقائدي في فكر الدولة، وإنما كان الانحراف في باب السياسة الشرعية، وكان هذا وحده كافيا للخروج والقتال كما قال عبد الرحمن بن أبي بكر لمعاوية: (إِنَّكَ وَاللَّهِ لَوْدِدْتُ أنا وكّلناك في أمر ابنك إلى الله، وَإِنَّا وَاللَّهِ لا نَفْعَلُ، وَاللَّهِ لَتَرُدُنَّ هَذَا الأَمْرَ شُورَى فِي الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لنُعِيدُنَّهَا عَلَيْكَ جذعة) [3] أي الحرب.
لقد حدثت انحرافات فكرية في حياة الصحابة - - رضي الله عنهم - م - كفكر الخوارج في عهد علي، فلم يتصد لها الصحابة على النحو الذي فعلوه في تصديهم للانحراف السياسي في باب الإمامة
(1) - روضة الطالبين وعمدة المفتين (10/ 46)
(2) - تفسير القرطبي (1/ 269)
(3) - تاريخ الإسلام ت تدمري (4/ 148) صحيح