فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 232

لقد فشل جمال الدين الأفغاني في دعوته إذ لم يسلك الطريق الصحيح لتحقيق مشروعه الإصلاحي، وظن أن الدولة العثمانية وخلفاءها أو خديوي مصر أو شاه إيران أو ملك أفغانستان يمكن أن يضحوا من أجل مشروعه الإصلاحي دون إدراك السنن الاجتماعية لقيام الدول الإصلاحية.

لقد تأثر عبد الرحمن الكواكبي [1] خطا محمد بن عبد الوهاب في دعوته إلى التوحيد، والعودة إلى ما كان عليه السلف في عقيدتهم وعبادتهم ودينهم، وتأثر خطا الأفغاني في دعوته إلى العودة إلى ما كان عليه السلف والخلفاء الراشدون في الشئون السياسية كالشورى والحرية والعدالة الاجتماعية، وقد تجلى ذلك في كتابه: (أم القرى) حيث قال في ضرورة العودة إلى ما كان عليه السلف متأثرًا خطا الشيخ محمد بن عبدالوهاب: (يَا أَيهَا الإخوان: أظنكم كَذَلِك تستصوبون أَن نَتْرُك جانبًا اخْتِلَاف الْمذَاهب الَّتِي نَحن متبعوها تقليدًا، فَلَا نَعْرِف مآخذ كثير من أَحْكَامهَا، وَأَن نعتمد مَا نعلم من صَرِيح الْكتاب وصحيح السّنة وثابت الْإِجْمَاع، وَذَلِكَ لكيلا نتفرق فِي الآراء وليكون مَا نقرره مَقْبُولًا عِنْد جَمِيع أهل الْقبْلَة، إِذْ أَن مَذْهَب السّلف هُوَ الأَصْل الَّذِي لَا يرد وَلَا تستنكف الْأمة أَن ترجع إِلَيْهِ وتجتمع عَلَيْهِ فِي بعض أُمَّهَات الْمسَائِل، لِأَن فِي ذَلِك التَّسَاوِي بَين الْمذَاهب، فَلَا يثقل على أحد نبذ تَقْلِيد أحد الْأَئِمَّة فِي مَسْأَلَة تخَالف الْمُتَبَادر من نَص الْكتاب الْعَزِيز أَو تبَاين صَرِيح السّنة الثَّابِتَة فِي مدونات الصَّدْر الأول.

وَلَا يكبر هَذَا الرَّأْي على الْبَعْض مِنْكُم؛ فَمَا هُوَ بِرَأْي حَادث بَين الْمُسلمين، بل جَمِيع أهل جَزِيرَة الْعَرَب مَا عدا أخلاط الْحَرَمَيْنِ على هَذَا الرَّأْي، وَلَا يخفى عَلَيْكُم أَن أهل الجزيرة وهم

(1) - يعتبر الكواكبي رائدًا من رواد التعليم، حيث دعا إلى إصلاح أصول تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية وتسهيل تحصيلها والجد وراء توحيد أصول التعليم وكتب التدريس، وقدم الكثير من الأسس لاعتمادها في مجال التربية والتعليم، ودعا إلى فتح باب محو الأمية، وبين دور المدارس في إصلاح المجتمع. كما ركز على أهمية تعليم المرأة كي تجيد رسالتها في الحياة.

كما يعتبر الكواكبي أحد أعلام الحركة الإصلاحية، فوجه جهوده إلى العمل الأخلاقي، وكافح العادات السيئة والتقاليد البالية، ونقد المعتقدات الفاسدة، وبذل السعي المتواصل لنشر الفضائل والتمسك بها للنهوض بأخلاق المجتمع، فقام بتشكيل الجمعيات والنوادي في القرى والمدن لتقوم بدور التوعية والتثقيف للجمهور، كما رد فساد الأخلاق إلى انحلال الرابطة الدينية والاجتماعية وفقد التناصح وغياب الأخلاق (فلمثل هذا الحال لا غرو أن تسأم الأمة حياتها فيستولي عليها الفتور، وقد كرت القرون وتوالت البطون ونحن على ذلك عاكفون، فتأصل فينا فقد الآمال وترك الأعمال والبعد عن الجد والارتياح إلى الكسل والهزل، والانغماس في اللهو تسكينًا لآلام أسر النفس والإخلاد إلى الخمول والتسفل طلبًا لراحة الفكر المضغوط عليه من كل جانب ... إلى أن صرنا ننفر من كل الماديات والجديات حتى لا نطيق مطالعة الكتب النافعة ولا الإصغاء إلى النصيحة الواضحة، لأن ذلك يذكرنا بمفقودنا العزيز، فتتألم أرواحنا، وتكاد تزهق روحنا إذا لم نلجأ إلى التناسي بالملهيات والخرافات المروحات، وهكذا ضعف إحساسنا وماتت غيرتنا، وصرنا نغضب ونحقد على من يذكرنا بالواجبات التي تقتضيها الحياة الطيبة، لعجزنا عن القيام بها عجزًا واقعيًا لا طبيعيًا) . أم القرى

كان عبد الرحمن الكواكبي واحدًا من المفكرين العرب الذين كشفوا عن أسباب الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، وقارن ذلك بحالة التقدم التي وصل إليها الأوربيون في العصور الحديثة، والتي مكنتهم من الهيمنة على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي. رجال ومواقف تحت راية الإسلام (1115/ 2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت