ج: تنافس الصحابة عليها دليل على مدى الوعي السياسي لديهم وفهمهم لطبيعة هذا الدين، وأنهم كانوا يمارسون العمل السياسي طاعة لله، ويتخذونه قربة وعبادة، إذ حملوا هذه الأحاديث على الوجه الصحيح، وهو أن المحظور شرعا طلب الإمارة لذات الإمارة، وما فيها من العلو والجاه والشرف فهذا المحظور؛ أو لمن طلبها مع عدم قدرته على القيام بها، وأما من طلبها لكونها بابا من أبواب الخير، والإصلاح، وإقامة القسط بين الناس، وهو قادر على تحمل أعبائها، فهذا مأجور بلا خلاف، وفي الحديث الصحيح وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" [1] .
ولم يطرأ في هذه المرحلة ما طرأ بعد ذلك من آراء ترى في مثل هذا التنافس نقصا في الدين وقدحا في العدالة؟!
وهذا هو الأصل الثالث من أصول الخطاب السياسي الشرعي المنزل؛ فالعلاقة بين الأمة والإمام تقوم على أساس عقد بين طرفين، تكون الأمة فيه هي الأصيل، والإمام هو الوكيل عنها في إدارة شئونها؛ فالحكم والسلطة ليسا بالتفويض الإلهي وليسا بالحق الموروث؛ بل بعقد البيعة بين الأمة والإمام.
وكان أول عقد في الدولة الإسلامية هو عقد بيعة العقبة الثانية، الذي على أساسه قامت الدولة الإسلامية، حيث هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده إلى المدينة ليمارس صلاحياته بموجب هذا العقد والاتفاق، الذي تم برضا أهل المدينة على أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - إماما له حق السمع والطاعة في المنشط والمكره.
لقد كان (العقد الاجتماعي) للدولة الإسلامية حقيقة تاريخية تم برضا الطرفين ...
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يبايع وفود القبائل والمدن التي تدخل الإسلام طوعا وتلتزم بالطاعة للدولة الإسلامية؛ ليؤكد أن العلاقة قائمة على أساس الاتفاق بين الطرفين!
(1) - صحيح البخاري (1/ 133) (660) وصحيح مسلم (2/ 715) 91 - (1031) [ش أخرجه مسلم في الزكاة باب فضل إخفاء الصدقة رقم 1031 (سبعة) أشخاص وكل من يتصف بصفاتهم. (ظله) ظل عرشه وكنف رحمته. (معلق في المساجد) أي شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها. (اجتمعا عليه) اجتمعت قلوبهما وأجسادهما على الحب في الله. (تفرقا) استمرا على تلك المحبة حتى فرق بينهما الموت. (طلبته) دعته للزنا. (ذات منصب) امرأة لها مكانة ووجاهة ومال ونسب. (أخفى) الصدقة وأسرها عند إخراجها. (لا تعلم شماله) كناية عن المبالغة في السر والإخفاء. (خاليا) من الخلاء وهو موضع ليس فيه أحد من الناس. (ففاضت عيناه) ذرفت بالدموع إجلالا لله وشوقا إلى لقائه]