فَقَالَ: أَفِيمَ قَتْلُكُم تَرَكْتُمُوهُ وَهُوَ فِي خَطِيئَتِهِ. . . . . تَطَهَّرَ مِنْهَا قَتَلْتُمُوهُ فجَعَلُوا يُقَرِّعُونَهُ بِالرِّمَاحِ حَتَّى سَقَطَ لِجَنْبِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: هَلُمَّ فَاقْتُلُونِي فَلَقَدْ أَصَابَتْ أُمِّي اسْمِيَ إِذَنْ إِذْ سَمَّتْنِي سَعْدًا. وَأَقْبَلَ الْأَشْتَرُ فَنَهَاهُمْ وَقَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ اتَّخَذْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ بُدْنًا؟ وَخَرَجَ سَعْدٌ يَدْعُو وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي فَرَرْتُ بِدِينِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَنَا أَفِرُّ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ» [1] .
وهنا فوائد:
أ موقف عثمان مع معارضيه يؤكد مدى الحرية السياسية وحرية الرأي والتعبير في العهد الراشدي.
ب لم يستجب لبعض قادة جيوشه لمجابهة هذه المعارضة، بل رأى أنه لم يصدر عنهم ما يستحل به دماءهم، ولم ير بدا من الجلوس معهم، وسماع مطالبهم وإجابتهم إلى ما طلبوا.
ج لقد أدرك الخليفة والصحابة الذين من معه مشروعية ما قام به المعارضون من معارضة جماعية لسياسة السلطة؛ ولو كان ما فعلوه منكرا لما جلس معهم، ولما أثنى عليهم، ولما استجاب لشروطهم؛ بل لبادر الصحابة والخليفة إلى منع هذا المنكر، وإزالته ومواجهته، وهم الذين بلغهم بل سمعوه مباشرة من نبيهم - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» [2]
لقد كانت المعارضة في هذا الطور معارضة سياسية سلمية، ترفع شعار الإصلاح وتطالب به؛ ولهذا تعامل الصحابة - رضي الله عنهم - م معها على هذا الأساس؛ وقد كان قادة هذه المعارضة وزعماؤها من الصحابة ومن كبار التابعين ومشاهيرهم من القراء وأبطال الفتوح الإسلامية!
لقد خرجت هذه الحركة السياسية عن خطها بعد ذلك، وانحرفت بعد أن رجعت مرة أخرى إلى المدينة بعد اتفاقها مع الخليفة على الإصلاح؛ بدعوى أنهم عثروا على كتاب موجه من عثمان إلى أمير مصر بمعاقبتهم؟!
وقد حلف لهم عثمان أنه ما كتبه وما درى به؟ فاتهموا مروان، وطالبوا بتسليمه؛ فخاف عثمان على مروان منهم أن يقتلوه دون بينة، ودون ما سبب يقتضي قتله.
ثم طالبوا بخلع الخليفة وأصروا على ذلك؛ واستشار عثمان عبد الله بن عمر فأشار عليه بعدم الموافقة على هذا الطلب، وقد علل عثمان رفض هذا الطلب - كما في أكثر الروايات - بأنه يخشى أن يؤدي هذا إلى حدوث فتنة وقتال بين الأمة، وفي بعضها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصاه بالصبر وعدم خلع نفسه من الخلافة، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ شَفِيٍّ الأَصْبَحِيِّ، فَقَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو , يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «يَكُونُ خَلْفِي اثْنَا
(1) - تاريخ المدينة لابن شبة (3/ 1128) صحيح
هم أرادوا كلمة حق يراد بها باطل حيث كانوا ألعوبة بيد عبد الله بن سبأ اليهودي لعنه الله
(2) - صحيح مسلم (1/ 69) 78 - (49)