وكل هذه النصوص التي وردت في القرآن، وكذلك تلك التي وردت في الكتاب المقدس - وإن كان فيها نظر عندنا في صياغتها وبلاغتها واختيار بعض ألفاظها المعبرة عن أصولها وأصلها الذي نزل على رسل الله عليهم السلام - كل ذلك يدل على أن العلم بكيفية الذات الإلهية غير ممكن، وهو موكول إلى الله وحده فلا يعرف كيفيته إلا هو، وكل ما خطر بالبال أو جال في الخيال من صور يجسدها الشيطان فهي في حقيقتها صورة إنسان، ولا تدل على حقيقة الذات الإلهية، وتتطلب أيضا الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
أما المقصود بخلق الله للإنسان على صورته فهو أن نؤمن بالمشترك العام اللفظي في الاسم أو الوصف اللغوي عند تجرده عن الإضافة، لنوحد الله في القدر الفارق عند إضافة الاسم أو الوصف إلى الخالق، وأن الإنسان مهما بلغ في وصفه، أو بالغ في اسمه فلن يصل إلى وصف الخالق الذي استخلفه في أرضه واستأمنه في ملكه، فالعاقل حينها لا يتصرف في الأمانة إلا بإذنه، ولا بد أن يرجع فيها إلى شرعه وأمره ونهيه. وكل ذلك لتظهر آثار أسماء الله وصفاته من خلال الإيمان بقدرة الله وعلاقتها بحكمته، وكيف نجمع في اعتقادنا بين الإيمان بربوبيته مع تحقيق عبوديته والعمل بشريعته.
وعلى ذلك فإن الله لما استخلف الإنسان في أرضه على وجه الابتلاء والامتحان جعله على صورته في إظهار آثار أسمائه من خلال عبوديته للملك الديان، فتعرف الله إليه بجملة من أسمائه وصفاته ليتقلب في آثارها كل إنسان، فالله عز وجل من أسمائه الرحمن الرحيم، ومعناه اتصافه بالرحمة العامة التي مقتضاها العدل، والرحمة الخاصة التي مقتضاها الفضل، فوجب على كل إنسان أن يكون متصفا بالرحمة العامة والخاصة ليلتزم مع المخالفين له بالعدل، ويتعامل مع إخوانه المؤمنين بالفضل.